(قلتُ لا للطغيان - ذاكرةُ رجلٍ لم ينكسر).. المناضل البيشمركة العم علي حاول بكو: شهادةٌ من زمنٍ لم يُمحَ من الذاكرة

(قلتُ لا للطغيان - ذاكرةُ رجلٍ لم ينكسر).. المناضل البيشمركة العم علي حاول بكو: شهادةٌ من زمنٍ لم يُمحَ من الذاكرة
(قلتُ لا للطغيان - ذاكرةُ رجلٍ لم ينكسر).. المناضل البيشمركة العم علي حاول بكو: شهادةٌ من زمنٍ لم يُمحَ من الذاكرة

هناك كتب نقرأها فنغلق صفحاتها وننتقل إلى كتاب آخر، وهناك كتب تجعلنا بعد الصفحة الأخيرة نتوقف قليلاً، لا لأننا انتهينا منها، بل لأن ما قرأناه يحتاج إلى وقت كي يستقر في داخلنا. كتاب «قلتُ لا للطغيان» للمناضل البيشمركه العم علي حاول بكو من هذا النوع. فهو ليس مجرد سيرة شخصية لرجل أمضى سنوات طويلة في جبال كردستان وكهوفها، ولا مجرد رواية لتجربة نضالية في مواجهة نظام البعث، وإنما شهادة إنسانية وسياسية على مرحلة قاسية من تاريخ العراق وكردستان، يرويها رجل كان في قلب الأحداث، ودفع من حياته وأسرته ثمناً باهظاً لمواقفه.

ما شدني في الكتاب منذ صفحاته الأولى أن صاحبه لا يتحدث عن التاريخ من موقع المؤرخ الذي ينظر إلى الأحداث من مسافة، وإنما من موقع الإنسان الذي عاشها ودفع ثمنها. ولذلك تبدو الجبال في روايته أكثر من مجرد أماكن احتماء ومواجهة، وتصبح السجون أكثر من جدران وأبواب مغلقة، وتتحول الأحداث الكبرى إلى تفاصيل إنسانية: عائلة تنتظر، أم تفقد أبناءها، زوجة يغيب عنها زوجها، وأطفال يكبرون في زمن لم يكن يسمح لهم بأن يعيشوا طفولة طبيعية. وحين نقرأ التاريخ من هذه الزاوية، ندرك أن المأساة لا تبدأ وتنتهي في ساحات القتال، وإنما تمتد إلى البيوت والقلوب وإلى أجيال كاملة.

ولعل أكثر صفحات الكتاب إيلاماً تلك التي تتصل بعائلته. فقد فقد العم علي ٢٧ فرداً من أسرته في سياق مأساة الأنفال، ومن بينهم والدته وإخوته وزوجته وأطفاله الصغار. وهذه الأرقام، مهما كانت قاسية، لا تستطيع وحدها أن تنقل حجم الفاجعة ،لأن الرقم في النهاية لا يخبرنا عن الأم التي فقدت أبناءها، ولا عن الزوجة التي انتظرت، ولا عن الطفل الذي حُرم من أبيه. وتأتي قصة ابنه الشهيد آزاد لتختصر جانباً شديد القسوة من تلك المأساة، طفل ولد في السجن ومات فيه قبل أن يرى والده - في هذه القصة وحدها يمكن أن يفهم القارئ أن الطغيان لا يطال من يواجهه فقط، وإنما قد يمتد أثره إلى أناس لم يختاروا شيئاً، ولم يكن لهم في الصراع ذنب سوى أن الله خلقهم كورداً - ولم تقتصر معاناة العم علي على السجن والملاحقة، فقد صدر بحقه حكم بالإعدام، ليصبح الموت نفسه ثمناً لموقفه الرافض للاستبداد، ومع ذلك واصل طريقه ولم يتراجع ، حيث كان كل حياته في الجبال و التنقل بين أجزاء كردستان الأربعة (المقسمة عنوةً) .

ومن هنا يصبح الكتاب، في تقديري، أكبر من تجربة صاحبه - إنه يقدم للقارئ نافذة على مأساة أمة بأكملها ، وعلى مرحلة لم تكن فيها الحرية والكرامة والحق في الحياة قيماً مجردة، وإنما مسائل يدفع الناس أثماناً حقيقية من أجلها. وهذا هو أحد أهم أوجه الكتاب ، أنه يعيد الإنسان إلى قلب التاريخ. فعندما نتحدث عن الأنفال أو السجون أو الحملات العسكرية، قد تتحول الأحداث مع مرور الزمن إلى عناوين في الكتب، لكن وراء كل عنوان بشراً عاشوا تلك اللحظة بكل تفاصيلها، وبقيت آثارها معهم حتى بعد انتهاء الحدث نفسه.

لذلك أرى أن عنوان الكتاب «قلتُ لا للطغيان» يحمل دلالة تتجاوز صاحبه. فالـ«لا» هنا ليست مجرد موقف في لحظة سياسية، وإنما تعبير عن خيار إنساني في مواجهة واقع يريد من الإنسان أن يتكيف مع الظلم حتى يصبح جزءاً من حياته اليومية. والعم علي، كما تروي مذكراته، عاش سنوات طويلة وهو متمسك بهذا الخيار، من الجبال إلى السجون، ومن المطاردة إلى فقدان أفراد أسرته. لكن اللافت أن الكتاب لا يقدم صاحبه بوصفه شخصية خارقة لا تعرف الخوف أو الألم ، وهذه نقطة مهمة في فهم معنى الصلابة لديه - قوته لا تأتي من غياب الخوف، وإنما من عدم السماح للخوف بأن يحدد موقفه، ولا تأتي من أنه لم يتألم، وإنما من أنه لم يسمح للألم بأن يمحو ما يؤمن به - وهذه ربما إحدى أهم العبر التي يمكن استخلاصها من تجربته. فالإنسان لا يُختبر في الظروف التي تسير كما يريد، وإنما عندما تتعارض الحياة مع قناعاته ومصالحه. وفي مثل هذه اللحظات تظهر قيمة الموقف. قد لا يستطيع المرء تغيير مسار التاريخ بمفرده، لكنه يستطيع أن يحدد موقعه منه، وأن يرفض أن يكون شاهداً صامتاً على ما يراه ظلماً و غير عدلاً -  ومن هنا فإن تجربة العم علي لا تقدم درساً في القتال فقط، بل في المسؤولية أيضاً ، مسؤولية الإنسان تجاه نفسه، وتجاه عائلته، وتجاه أمته ، وتجاه الحقيقة التي عاشها.

وفي المقابل ، لا يخفي الكتاب الوجه الآخر للمراحل الصعبة: الخيانة والخذلان. فالإنسان في الظروف الطبيعية قد لا يعرف حقيقة من حوله، أما في الأزمات فتتضح المواقف بسرعة. يتحدث العم علي عن خيانات جاءت من أبناء القوم والدين، لكنه يتحدث كذلك عن أناس أظهروا شهامة ووفاء في أوقات لم يكن الوقوف إلى جانب الآخر فيها أمراً سهلاً. وهذا الجانب من المذكرات مهم لأنه يمنعنا من النظر إلى التاريخ بمنظار أبيض وأسود - فالسنوات الصعبة لم تكن خالية من القسوة، لكنها لم تكن خالية أيضاً من نماذج إنسانية تستحق التوقف عندها. وفي أحلك الظروف يمكن أن يظهر أسوأ ما في الإنسان، كما يمكن أن يظهر أفضل ما فيه.

و بعد أن خرجت من قراءة «قلتُ لا للطغيان» ، وجدت أن أكثر ما بقي في ذهني ليس مشهد المعارك ولا تفاصيل الجبال، وإنما صورة رجل فقد الكثير ولم يسمح للخسارة بأن تمحو صوته - وهذا هو معنى الصلابة الذي أراه في تجربة العم علي ، ليست الصلابة في أن يخرج الإنسان من المحنة كما دخلها، وإنما في أن يخرج منها أكثر إدراكاً لقيمة الإنسان ، وأكثر تمسكاً بحقه في أن يروي ما حدث - لهذا أرى أن قراءة «قلتُ لا للطغيان» ليست عودة إلى الماضي بقدر ما هي وقفة أمام مسؤوليتنا تجاه المستقبل - لا يمكننا أن نعيد إلى العم علي السنوات التي فقدها، ولا أن نعيد إلى أمه وإخوته وزوجته وأطفاله حياتهم، ولا أن نمنح آزاد فرصة لم تتح له، لكن يمكننا أن نحفظ قصتهم من النسيان - ربما لهذا السبب تحديداً شعرت أن الكتاب لم يترك لي جواباً بقدر ما ترك لي مسؤولية - مسؤولية أن أتذكر، لا لأبقى أسير الماضي، وإنما لكي أفهم الحاضر بصورة أفضل. ومسؤولية أن أرى خلف كل رقم إنساناً، وخلف كل مأساة عائلة، وخلف كل قرار سياسي حياة يمكن أن تتغير أو تُفقد.

حقيقةً ترك العم علي لنا في كتابه أكثر من مذكرات - ترك شهادة رجل عاش زمناً قاسياً وقرر أن يكتب ما رآه، وترك للأجيال القادمة أسماء الذين غابوا وقصص الذين لم يستطيعوا الكلام . وقد يكون هذا هو المعنى الأعمق لعبارته «قلتُ لا للطغيان»: ليست البطولة في أن يظل الإنسان واقفاً مهما كان الثمن فحسب ، وإنما في أن يحول تجربته، بعد كل تلك السنوات، إلى شهادة يستفيد منها من يأتي بعده - حقيقةً عندما وصلت إلى الصفحة الأخيرة، لم أشعر أنني أنهيت كتاباً عن رجل من الماضي، بل شعرت أنني قرأت شهادة موجهة إلينا نحن، إلى الذين لم يعيشوا تلك السنوات وإلى الذين يحملون مسؤولية بناء السنوات القادمة - فالطغيان قد يستطيع أن يهزم الإنسان في لحظة، وقد يستطيع أن يسلبه بيته وأهله وسنوات عمره، لكنه لا ينتصر حقاً إلا عندما ينجح في إسكات روايته ، والعم علي حاول بكو اختار أن يروي - ومن هنا تبدأ أهمية هذا الكتاب ، ومن هنا أيضاً تبقى كلمته الأخيرة مفتوحة أمامنا : أن نحفظ حقيقة مآساة أمتنا من النسيان .