رزكار حسو
سياسي وأكاديمي
الديانة الإيزيدية في كوردستان المجزّأة : ذاكرة التاريخ ووحدة الهوية وخصوصية الانتماء .
تحتل الديانة الإيزيدية مكانة بارزة في التاريخ الثقافي والروحي لكوردستان، إذ تمثل أحد المكونات الأصيلة التي أسهمت في تشكيل الذاكرة الجماعية للمنطقة والحفاظ على تنوعها الحضاري. فمن لالش إلى شنكال، ومن مختلف أجزاء كوردستان إلى مجتمعات الشتات، حافظ الإيزيديون على موروثهم الديني والثقافي ولغتهم وطقوسهم، رغم ما تعرضوا له من اضطهاد وتهجير ومحاولات للإقصاء. وفي سياق البحث في الجذور التاريخية للهوية الكوردية وامتدادها عبر قرون طويلة، تبرز الإيزيدية بوصفها جزءاً مهماً من التراث الكوردستاني، بما تحمله من تقاليد وممارسات وذاكرة متوارثة. ولا تتطلب دراسة هذا الارتباط افتراض استمرارية تاريخية مطلقة لجميع المعتقدات منذ العصور القديمة، بقدر ما تستدعي الاعتراف بدور المجتمع الإيزيدي في صون الخصوصية الثقافية وإغناء تاريخ المنطقة عبر الأجيال.
ويجسد الوجود الإيزيدي إحدى صور الترابط الاجتماعي والثقافي بين أجزاء كوردستان، حيث أسهمت اللغة الكوردية (الكرمانجية) والروابط العائلية والمزارات المقدسة والتقاليد المشتركة في الحفاظ على التواصل بين المجتمعات، رغم الحدود السياسية التي فرضتها التحولات التاريخية. ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى الانتماء الديني والهوية القومية بوصفهما مجالين يمكن أن يتكاملا دون أن يلغي أحدهما الآخر؛ فخصوصية الإيزيديين الدينية حق أصيل لا يتعارض مع انتمائهم إلى المجتمع الكوردستاني. ويتطلب الحفاظ على هذا الإرث توفير ضمانات فعلية لحرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، وحماية الأماكن المقدسة والموروث الثقافي، وضمان المشاركة السياسية والاجتماعية على أساس المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
وفي هذا السياق، يمكن فهم مفهوم «البيت الكوردي» باعتباره فضاءً تاريخياً واجتماعياً جامعاً لمختلف مكونات المجتمع، وليس إطاراً سياسياً محصوراً بحزب أو حكومة بعينها. وتكمن قوة هذا الفضاء في قدرته على احتضان التنوع وضمان الحقوق وتحويل الروابط التاريخية إلى شراكة عملية قائمة على الثقة والعدالة. إن إضعاف العلاقة بين الإيزيديين ومحيطهم الكوردستاني، أو دفعهم إلى البحث عن ضمانات خارج هذا الإطار نتيجة غياب الثقة والتمثيل، قد يؤدي إلى اتساع الفجوات الاجتماعية والسياسية وتفاقم المخاوف المتعلقة بالمستقبل. وتؤكد التجارب التاريخية، محاولات تفتيت المكونات ابان حقبة نظام البعث في العراق، أهمية بناء مؤسسات تحمي المواطنين من الاستبداد والتمييز و التفتيت، بصرف النظر عن خصوصيتهم. لذلك، تقع على عاتق القوى السياسية الكوردية مسؤولية ترسيخ شراكة حقيقية تضمن للإيزيديين حضوراً فاعلاً في صنع القرار، وتحترم خصوصيتهم، وتمنحهم الثقة بأن حقوقهم جزء ثابت من أي مشروع وطني أو كوردستاني جامع.
وقد كشفت مأساة شنكال في الثالث من آب عام 2014، عندما هاجم تنظيم الدولة الإسلامية المنطقة، عن خطورة استهداف القومية الكردية دون النظر إلى الخصوصية الدينية، ومحاولة اقتلاعها من جذورها التاريخية. فقد قُتل مدنيون، وتعرضت نساء وأطفال للاستعباد، وشُرّد آلاف السكان، في جريمة استهدفت الوجود الكوردي وحقه في الحياة والحرية والكرامة. وعند استحضار هذه المأساة إلى جانب مقاومة كوباني، تتضح أبعاد التضامن الكوردستاني الذي تجاوز المسافات الجغرافية، وتجسد في التضحيات المتبادلة بين أبناء المجتمع الواحد. فقد عبّرت مشاركة المقاتلات القادمات من كوباني في الدفاع عن شنكال، وتضحيات أبناء سنجار في معركة كوباني، عن روابط إنسانية وقومية لا تختزلها الحدود السياسية. ومن هنا، لا ينبغي أن تبقى هذه الأحداث مجرد محطات في الذاكرة، بل يجب أن تتحول إلى مسؤولية أخلاقية وسياسية، و رسالة نبيلة للأجيال .
ختاماً، تظل العلاقة بين الإيزيديين ومحيطهم الكوردستاني جزءاً من مسار تاريخي تتجدد معانيه عبر الأجيال، وتزداد قيمته بقدر ما يتحول إلى وعيٍ يحترم الخصوصية ويعزز الثقة المتبادلة. ومن هنا، فإن قراءة هذا التاريخ لا تقتصر على استذكار الماضي، بل تمتد إلى استلهام دروسه في بناء مستقبل أكثر عدلاً وتوازناً، تُصان فيه كرامة الإنسان، وتُحترم فيه تعددية الانتماءات، وتترسخ فيه أسس التفاهم والشراكة بعيداً عن الإقصاء والانقسام.