شيروان الشميراني
كاتب
مِمَّ يخاف إقليم كوردستان؟
إن إقليم كوردستان ليس عاشقاً لوجود قوات أجنبية على أرضيه، ولم يتعامل مع الملف من هذا المنطلق، وهو ذو التجربة الطويلة التي تعرض خلالها الى خذلان الأحبة، فالانسحاب الرسمي والكامل للجنود الأمريكيين من العراق، وأسباب وطبيعة العلاقة بين البلدين، ليست موضوع هذا المقال. ما أودّ مناقشته هنا هو الجانب المتعلق بإقليم كردستان بشكل خاص؛ إذ يظهر من تصريحات القيادة السياسية الكردية، والصحف الأمريكية، وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن كردستان في هذه الخطوة ليس كباقي أجزاء العراق؛ فمن الممكن أن يكون التعامل معه وتأثير الأحداث عليه بشكل مختلف، أو أن هناك عدة قضايا مرتبطة بالانسحاب الأمريكي سيكون لها تبعات أكبر على كردستان.
قبل الإجابة عن هذه التساؤلات، هناك ثابت ومبدأ لا يتغير لا يجب نسيانه أبداً، وهو: أن دول الجوار بكافة خلفياتها الدينية والعرقية (القومية) تريد إقليماً في كردستان هادئاً يخدم مصالحها، لا إقليماً قوياً أو مؤثراً على الخارطة الدولية يسبب لها القلق بسبب الوجود الكردي فيها. إنّ الاختلاف بين هذه الدول يكمن فقط في أسلوب التعامل وليس في المبادئ، ولو أن المباديء بدأت تتدخل كما هي حلة سورية ما بعد الأسد، ولا سيما أن كردستان بذاته لا يملك كياناً دولياً رسمياً معترفاً به في الأمم المتحدة، ولذلك لن تتوانى هذه الدول عن اتخاذ أي خطوة ما لم يكن لديها خوف من رد فعل دولي.
هناك نقطتان رئيسيتان للغاية تسببان الخوف لكردستان إزاء الانسحاب الأمريكي من العراق، أو على الأقل تخلقان له حالة من القلق:
الأولى: عودة ظهور داعش الخوف من تكرار تجربة عام ٢٠١٤، سواء أكان التنظيم نفسه أم بأشكال جديدة ومتغيرة؛ في البداية كانت حركة التوحيد والجهاد ثم تغيرت الى القاعدة بتطور الوضع الجهادي العالمي، وانتهت الى تنطيم الدولة الإسلامية "داعش"، تماماً كما بدأ فهذه المرة أيضاً قد يكون امتداد داعش بلون واسم مختلفين. علماً أنه من الصعب أن يمتلك التنظيم نفسه القدرة السابقة على احتلال الأراضي، خاصة بعد خسارته في سوريا، لكن الخوف يأتي من جانب آخر.
إن الذين يتابعون الوضع يعلمون أن منظمة داعش نشأت وتفشت تحت أنظار الدول الإقليمية والعالمية في سوريا، وتحركت تحت أقمارها الصناعية وسيطرت على ثلث أراضي العراق. لاحقاً، كانت الأجهزة الاستخباراتية الإقليمية والدولية حاضرة في داخلها، وكان لها دور في إرسال الأعضاء الى صفوفها وتوجيه عملياتها، الآن إذا حدث وتكرر السلوك نفسه من قبل هذه الدول وحُرّك التنظيم باتجاه الإقليم، فماذا سيحدث حينها؟ هل هذا احتمال وارد؟ نعم، فالمنظمات المتطرفة—سواء كانت يسارية أم دينية مسلحة—يسهل اختراقها وتجنيد المرتزقة منها.
الثانية: الجماعات المسلحة الجماعات التي لم تسلّم سلاحها في 30 أيلول/سبتمبر، ولا تنوي إلقاء السلاح في 30 حزيران/يونيو 2027. هذه الجماعات كانت تقصف أراضي الإقليم خلال الفترة الماضية بذريعتين: الأولى هي وجود القوات العسكرية الأمريكية في عدة قواعد بالإقليم، والثانية عند حدوث أي خلاف بين أربيل والحكومة الاتحادية؛ كانت تقصف المطار ومحطة غاز كورمور، وتطلق الصواريخ والطائرات المسيرة نحو كردستان من أراضٍ تخضع لسيطرة الجيش العراقي. الآن انسحب الجنود الأمريكيون، لكن الذرائع المتعلقة بالعلاقات بين الإقليم وبغداد، وملف الموازنة، وبيع النفط وما شابهها لا تزال قائمة.
وما يُعتقد أنه سيصبح بديلاً لذريعة القواعد العسكرية الأمريكية هو الحرب بين أمريكا وإيران، ووجود القوات الكردية الإيرانية على أراضي إقليم كردستان. في الفترة الماضية ومؤخراً، شاركتُ في عدة برامج على قنوات عربية قريبة من تلك المجموعات، وكان الملف المطروح هو هذه الجماعات التي تقول إيران إنها تعيد تحشيد أفرادها وتعبئتهم لشن هجوم عسكري برّي داخل الأراضي الإيرانية بتحريض من أمريكا وإسرائيل. هذه التصريحات تصدر حتى من شخصيات إيرانية معتدلة بوجود مزاعم عن إرسال أسلحة من حدود الإقليم إلى داخل إيران. والآن، الشائعة التي تُسمع عبر إعلام الجماعات العراقية المسلحة هي: إذا كانت البيشمركة غير قادرة على إبعاد هذه الجماعات الكردية وتحييدها، فليسمحوا لنا بالدخول إلى الإقليم لضربهم والقضاء عليهم.
تلك الجماعات المسلحة التي تمتلك أجنداتها الخاصة وتنفذها خارج إطار المؤسسات الرسمية للدولة، ستفرض في المستقبل أهدافها على حكومة السيد علي الزيدي في مقابل إعادة تنظيم وضعها العسكري (وليس تسليم سلاحها). وكانت البداية بالتزامن مع غياب القوات الأمريكية هي إرسال قانون الحشد الشعبي إلى البرلمان، وهو القانون الذي أُغلق طريق تمريره لعدة سنوات. وإذا كانت هذه الجماعات تقف بكامل ثقلها في المعسكر الإيراني ضد أمريكا، ولم تكن تنظر إلى كردستان بعين الرضا في الماضي، فمن الطبيعي أن يُنظر إليها كأداة للضغط على الإقليم.
من حق كردستان ألا يشعر بالاطمئنان تجاه الأوضاع بعد 30 سبتمبر، وأن يراقب الوضع عن كثب إلى أن تتضح الأمور تماماً.
أما ما يخفف من هذا التخوف فهو نقطتان:
١- الولايات المتحدة الأمريكية: لا تزال حاضرة في العراق من الناحية الاستخباراتية والرقابية، وستبقى كذلك لأن ذلك جزء من وجودها في الشرق الأوسط. كما أنها تمتلك قوات كاملة في قواعدها العسكرية في الأردن، وهو موقع ليس ببعيد ويقع على حدود العراق.
٢- أدوات واشنطن: هناك آليات وطرق عديدة للضغط في يد واشنطن إذا أرادت منع أي زعزعة لاستقرار الإقليم، لا سيما الملف الاقتصادي، والدولار، والدعم الأمني.
في النهاية، يرغب إقليم كردستان في أن تكون علاقاته ممتازة بالكامل مع بغداد وهذا هو المسلك الصحيح، وأن يسعى لبناء وترسيخ دعائم النظام الفيدرالي في العراق؛ لأن ذلك هو الضمان الوحيد لحماية مستقبل الإقليم. ورغم الأهمية الكبيرة للعلاقات الإقليمية والدولية، إلا أن الجبهة الداخلية تبقى هي الأولوية؛ فالمعادلات الدولية تتغير، وكردستان ليس دولة ولا يملك كياناً دولياً رسمياً تحميه القوانين الدولية، وما يحظى به من مكانة حالياً يعود إلى ظروف المنطقة وحكمة القيادة السياسية الكردية.