مَن يملك الجغرافيا لا يملك الحقيقة ....العراق وسوريا بين منطق الغلبة ودولة القانون

مَن يملك الجغرافيا لا يملك الحقيقة ....العراق وسوريا بين منطق الغلبة ودولة القانون
مَن يملك الجغرافيا لا يملك الحقيقة ....العراق وسوريا بين منطق الغلبة ودولة القانون

تعيش المنطقة مرحلة سياسية جديدة، تحمل معها كثيرًا من الأسئلة والقلق، خصوصًا في العراق وسوريا. ومع كل تغيير سياسي أو ميداني، يعود السؤال نفسه: هل ستبقى العلاقة بين مكوّنات المجتمع قائمة على القوة والسيطرة، أم نصل أخيرًا إلى صيغة يشعر فيها الجميع بأن الدولة لهم جميعًا؟
هذا السؤال لا يتعلق بمكوّن واحد، ولا بقومية دون أخرى. إنه يتعلق بمستقبل الدولة نفسها، وبقدرتها على الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق المواطنة.
في العراق، تبدو العلاقة بين بغداد وأربيل مثالًا واضحًا على هذه المسألة. فالتعامل مع الحكومة الاتحادية ليس تنازلًا من الكورد، كما أن تمسّك الكورد بحقوقهم وهويتهم وجغرافيتهم ليس عداءً للدولة العراقية. عندما تكون الحقوق مضمونة، يصبح الحوار مع الحكومة الاتحادية أمرًا طبيعيًا، بل ضروريًا لبناء دولة مستقرة.
الدستور العراقي أقر المساواة بين المواطنين، واعترف بإقليم كوردستان إقليمًا اتحاديًا، كما اعترف بالعربية والكوردية لغتين رسميتين. لكن النصوص وحدها لا تكفي. المهم هو أن يشعر المواطن الكوردي، والعربي، والتركماني، والآشوري، وسائر المكوّنات، بأن القانون يحميه بالقدر نفسه.
المشكلة تبدأ عندما يشعر أحد المكوّنات أن الدولة تعني هيمنة مكوّن آخر، أو أن حقوقه مرتبطة بميزان القوة وليس بالدستور والقانون.
ولهذا فإن العلاقة بين بغداد وأربيل، مثلها مثل العلاقة بين مختلف مناطق العراق ومكوّناته، تحتاج إلى منطق مختلف: لا حكومة اتحادية تنظر إلى الأطراف باعتبارها عبئًا، ولا أطراف تنظر إلى الحكومة الاتحادية باعتبارها خصمًا دائمًا. المطلوب دولة اتحادية تحترم صلاحياتها، وتحفظ حقوق مواطنيها، وتترك للخلاف السياسي مكانه الطبيعي داخل المؤسسات.
والأمر نفسه ينطبق على سوريا.
بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، تقف سوريا أمام سؤال كبير: هل تكون الدولة القادمة دولة يفرض فيها الطرف الأقوى رؤيته على الآخرين، أم دولة يجد فيها الجميع مكانًا لهم؟

الحديث عن حقوق الكورد في سوريا، أو حقوق أي مكوّن آخر، لا ينبغي أن يُفهم على أنه تهديد لوحدة البلاد. الاعتراف بالحقوق يمكن أن يكون أحد أهم أسباب الحفاظ على وحدة الدولة، إذا كان قائمًا على القانون والمواطنة، وليس على المحاصصة أو الصراع على النفوذ.
فالمواطن الذي يشعر أن هويته مهددة لن يكون مطمئنًا مهما كانت الشعارات عن الوحدة. أما عندما يعرف أن هويته وحقوقه الثقافية واللغوية والسياسية محفوظة، فإن الانتماء إلى الدولة يصبح أكثر قوة.
وهنا تكمن أهمية القانون. الدولة القوية ليست الدولة التي تفرض الصمت، وإنما الدولة التي يستطيع المختلف فيها أن يتحدث ويختلف ويطالب بحقوقه من دون أن يشعر أن وجوده نفسه موضع شك.
يمكن النظر إلى التجربة الأوروبية من هذه الزاوية. أوروبا لم تلغِ اختلاف شعوبها وقومياتها ولغاتها، ولم تجعل الجميع متشابهين. لكنها بنت، عبر عقود طويلة، قواعد ومؤسسات تجعل هذا الاختلاف قابلًا للحياة داخل إطار قانوني مشترك.
المساواة أمام القانون، وحقوق الأقليات، والحريات، وسيادة القانون، كلها أصبحت جزءًا من قواعد التعامل بين الدول والمجتمعات الأوروبية.
هذا هو الدرس الذي تحتاجه منطقتنا، من دون أن يعني ذلك نسخ التجربة الأوروبية كما هي. لكل مجتمع تاريخه وظروفه وتركيبته. لكن المبدأ يمكن أن يكون واحدًا: لا يمكن بناء دولة مستقرة إذا شعر جزء من مواطنيها أن حقوقه أقل من حقوق الآخرين.
التعايش لا يعني أن يتخلى الكوردي عن كورديته، ولا العربي عن عروبته، ولا أي مكوّن عن هويته. التعايش يعني أن تبقى الهوية حقًا لصاحبها، وألا تتحول إلى وسيلة لسلب حقوق الآخرين.
ومن هنا، فإن الخوف من حقوق الآخر هو بداية المشكلة.
إذا شعر الكوردي أن حقوقه مضمونة، فلن يكون بحاجة إلى البحث عن حماية خارج الدولة. وإذا شعر العربي أن حقوقه مصانة، فلن يرى في حقوق الكورد تهديدًا له. وعندما يشعر الجميع بأن القانون فوق الجميع، يصبح الاختلاف السياسي أمرًا يمكن التعامل معه بالحوار والمؤسسات بدل القوة.
وهذه القاعدة لا تخص الكورد وحدهم. هي قاعدة يجب أن تشمل الجميع.
فكما لا يجوز أن يخضع الكوردي لهيمنة قومية أخرى، لا يجوز أن يخضع العربي أو التركماني أو الآشوري أو أي مكوّن آخر لهيمنة طرف آخر. الحقوق لا تتجزأ، والقانون الذي يحمي مجموعة واحدة ثم يتجاهل أخرى لا يبني دولة، بل يؤجل أزمة جديدة.
الدولة ليست ملكًا للمكوّن الذي يسيطر على الأرض في لحظة معينة. الجغرافيا لا تمنح أحدًا حق امتلاك الدولة، والقوة لا تمنح صاحبها حق تحديد مستقبل الآخرين وحده.

وهنا يجب أن يتغير السؤال.
بدلًا من أن نسأل: من يملك الأرض؟ ومن يملك القوة؟ ومن يملك القرار؟
علينا أن نسأل: كيف يستطيع الجميع أن يعيشوا في دولة واحدة وهم مطمئنون إلى حقوقهم؟
هذه ليست مسألة مثالية أو حلمًا سياسيًا. إنها ضرورة إذا كان العراق وسوريا يريدان تجاوز عقود من الصراع وعدم الاستقرار.
قد تختلف المكوّنات في رؤيتها لشكل الدولة، وقد تختلف الأحزاب في برامجها، وقد تتعارض المصالح السياسية. وهذا أمر طبيعي. الخطر يبدأ عندما تتحول الخلافات السياسية إلى صراع على الوجود، أو عندما يصبح انتصار طرف يعني بالضرورة خسارة طرف آخر.
الدولة الحديثة يفترض أن تمنع الوصول إلى هذه المرحلة.
لا غالب دائم، ولا مغلوب دائم، ولا مكوّن فوق القانون.
المطلوب ليس إلغاء الاختلاف، بل تنظيمه. وليس إنهاء الهويات، بل ضمان أن تعيش الهويات المختلفة داخل دولة واحدة من دون خوف متبادل.
العراق وسوريا أمام فرصة صعبة، لكنها ضرورية: الانتقال من دولة تحكمها موازين القوة إلى دولة تحكمها القواعد.
فالوطن الذي يحتاج فيه مكوّن إلى إضعاف مكوّن آخر كي يشعر بالأمان، سيبقى وطنًا قلقًا.
أما الوطن الذي يشعر فيه الجميع أن القانون يحميهم، وأن حقوقهم لا تعتمد على ميزان القوة، فهو القادر على بناء مستقبل مستقر.
المستقبل ليس لمن يملك الجغرافيا، ولا لمن يملك القوة وحدها؛ المستقبل لمن يستطيع أن يجعل القانون فوق الجميع.