نجاح هيفو
كاتبة كوردية
فرنسا ليست ساحة للفوضى: إحراق الشوارع انتحار مجتمعي ووبال على مستقبل المهاجرين
تتكرر في فرنسا، من حين لآخر، مشاهد العنف وأعمال الشغب التي ما تلبث أن تتصدر شاشات الفضائيات منصات التواصل الاجتماعي، ناقلةً للرأي العام العالمي صورًا صادمة لممتلكات مدمّرة، ومتاجر نهبت أو أُحرقت، وشوارع تحولت إلى ساحات مشتعلة للمواجهة. وفي الوقت الذي يحاول فيه البعض تفسير هذه المشاهد باعتبارها نوعًا من التعبير الفوضوي العفوي عن الغضب أو الرفض لواقع مجتمعي أو اقتصادي معين، تبرز حقيقة سوسيولوجية وسياسية لا يمكن للعقل السليم تجاهلها: إن العنف العشوائي والتخريب المنظم ليس ولن يكون يومًا طريقة مشروعة أو مجدية للمطالبة بالحقوق، بل هو مسار حتمي للتدمير الذاتي، تشكل آثاره المباشرة وباءً حقيقيًا ووبالًا عظيمًا على أمن واستقرار الوجود الأجنبي، وعلى مستقبل المهاجرين واللاجئين وأبنائهم في فرنسا.
إن أي تحليل موضوعي وعميق لتداعيات هذه الأحداث المأساوية يكشف بوضوح أن الخسارة الأكبر والأشد إيلامًا لا تقع على عاتق المؤسسات الرسمية أو الحكومة وحدها، بل يدفع ثمنها المباشر المهاجر والعامل البسيط والأسرة الكريمة التي تسعى يوميًا لبناء حياة آمنة ومستقرة. فعندما تُحرق وسائل النقل العام، وتُدمر المتاجر الحيوية في الأحياء الشعبية، تتضرر بشكل مباشر البيئة الاقتصادية والخدمية للمجتمعات المحلية التي ينتمي إليها المحتجون أنفسهم، وتزداد معاناتهم اليومية في تحصيل قوتهم وقضاء حوائجهم.
والأهم من ذلك كله، فإن الانخراط المتهور في أعمال الشغب والتخريب يضع الشاب أو المقيم فورًا تحت طائلة الملاحقات القضائية الصارمة، والتي لا تتوقف عند حدود العقوبات السجنية أو الغرامات المالية، بل تتدرب لتصل إلى إلغاء إقامات العمل أو اللجوء، والمنع من تجديدها، وصولًا إلى الترحيل القسري. إن هذه التبعات القانونية تعصف تمامًا، وفي لحظات معدودة من الطيش، بجهود سنوات طويلة من السعي نحو الترقي الاجتماعي والاندماج الاقتصادي الذي خاض المهاجر لأجله صعابًا جِسامًا.
ومن جانب آخر، فإن مشاهد العنف والتخريب تمنح هدايا مجانية وثمينة للغاية للتيارات السياسية المتطرفة والأحزاب الشعبوية التي تتبنى خطابًا مناهضًا للهجرة وتطالب باستمرار بتشديد القوانين ضد الأجانب. حيث تُستغل التصرفات المتهورة لأفراد معدودين لتغذية الشكوك المجتمعية ووصم الجاليات بأكملها بنعوت سلبيّة. هذا الصنيع يمنح المتربصين بالوجود الأجنبي مبررات جاهزة لتعميم الأحكام الظالمة وتشويه صورة مئات الآلاف من المهاجرين واللاجئين الذين يعملون بشرف واجتهاد، ويلتزمون بالقوانين، ويسهمون إيجابًا وفاعلية في بناء وتطوير المجتمع الفرنسي. وبدلاً من أن يحصل المهاجر على التفهم أو الدعم لمطالبه المشروعة، تتسع فجوة الشك والتوجس بينه وبين المجتمع العام، ليدفع الأبرياء ثمناً باهظاً لأخطاء لم يرتكبوها.
إن الأمانة والإنصاف يقتضيان التمييز القاطع والحاسم بين الحق الدستوري المكفول في الاحتجاج السلمي والتعبير الحر عن الرأي والمطالبة بالعدالة الاجتماعية، وبين الانزلاق المدمّر نحو التخريب والعنف العشوائي. إن نيل الحقوق والكرامة وترسيخ مبادئ المساواة يمر حصراً عبر المشاركة المدنية الفاعلة، والتمثيل الحقوقي الواعي، والتفوق الأكاديمي والمهني، والعمل المؤسساتي المنظم داخل أطر الدولة. أما تحويل الشوارع إلى ساحات للمواجهة وإشعال الحرائق، فإنه يبدد فورًا أي تعاطف إنساني، ويدمر جسور الثقة التي يستغرق بناؤها عقودًا طويلة في ساعات معدودة، ولا ينتج عنه سوى تعميق التهميش، وتغليظ القوانين الأمنية، وتضييق الخناق على الجميع دون استثناء.
إن حماية الاستقرار والأمن العام في فرنسا ليست مجرد واجب قانوني تجاه الدولة ومؤسساتها، بل هي خط الدفاع الأول والأهم لحماية أمن واستقرار الجاليات والمهاجرين أنفسهم. والواجب الإنساني والعقلاني يتطلب منا جميعًا مواجهة دعوات الفوضى والتخريب بأعلى درجات الوعي والمسؤولية المجتمعية، وإدراك أن بناء المستقبل المشرق للأجيال القادمة لا يتأتى بالنار والدمار، بل بالحكمة والعمل الجاد، والاحترام المتبادل للقانون وسيادة الدولة.