د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
مشروع قانون الموازنة لعام 2027 واستحقاقات إقليم كوردستان
تعد الموازنة العامة في أي دولة اتحادية الوثيقة الاقتصادية والسياسية الأكثر أهمية وتأثيراً، فهي تتجاوز كونها مجرد أرقام صماء وجداول تتوزع بين الإيرادات والنفقات، لتكون المرآة الحقيقية التي تجسد مدى التزام السلطة الاتحادية بالعقد الاجتماعي والدستوري الذي يجمع أبناء الوطن الواحد.
ومع اقتراب استحقاق مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2027، تقف الدولة العراقية أمام اختبار حقيقي لمبادئ الشراكة الوطنية والتوازن الدستوري، في وقت تطرح فيه استحقاقات إقليم كوردستان المالية والدستورية على طاولة النقاش السياسي والتشريعي.
إن النظر إلى حقوق إقليم كردستان من زاوية "المنحة" أو "الهبة" المشروطة يعد إخلالاً صريحاً بالبناء الفيدرالي للبلاد، لأن الدستور العراقي كفل للنظام الفيدرالي توزيعاً عادلاً للثروات دون تمييز، وأن قطع أو تأخير هذه المستحقات يعد مخالفة دستورية تضر بالاستقرار المجتمعي.
فحقوق مواطني الإقليم في الموازنة، من رواتب ومستحقات تشغيلية، التي تشمل ميزانيات إدارة المؤسسات، المستشفيات، والمدارس، وهي ضرورية لاستمرار تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين و کذلك مستحقات استثمارية والتي تمثل حصة الإقليم من المشاريع التنموية وبناء البنى التحتية (كالطرق، السدود، والكهرباء)، وتحسب عادة وفقاً للنسبة السكانية المعتمدة للإقليم في قانون الموازنة العامة الاتحادية، هي حقوق دستورية أصيلة كفلتها نصوص العقد الوطني لعام 2005.
دوماً یقال بأن مواطني الإقليم جزء لا يتجزأ من النسيج العراقي، ولا يجوز تحت أي ذريعة رهن معيشة ملايين الموظفين والشرائح الاجتماعية بالخلافات السياسية العابرة أو بتفسيرات أحادية لمواد الدستور، غير أن قراءة متأنية للسياقات السياسية والتسريبات التمهيدية المحيطة بمسودة الموازنة تظهر جلياً وجود نيات ومحاولات لدى بعض الأطراف لممارسة سياسة الإقصاء، والالتفاف على الحقوق الدستورية المكتسبة للإقليم.
وتأتي هذه النهج كمحاولة لفرض واقع اقتصادي ضاغط، مستنداً إلى قراءات انتقامية وتصفية حسابات تتعلق بمواقف سياسية سابقة اتخذها الإقليم في مراحل معقدة من تاريخ المنطقة، سواء أكانت تتصل باستفتاء عام 2017 أو بخيارات الإقليم العقلانية في بناء شراكات دولية متزنة والتقرب من الحلفاء الدوليين كالأمريكيين وغيرهم في إطار الحرب على الإرهاب وترسيخ الاستقرار.
إن تحويل المواقف السياسية أو الاختلافات في التقديرات الاستراتيجية إلى مبرر لعقاب اقتصادي جماعي ضد أبناء شعب كوردستان يمثل خطأً استراتيجياً يقوض أسس الفيدرالية. فالسياسة الفيدرالية الرشيدة تبنى على التفاهم واحترام التنوع، لا على استثمار التوازنات المالية لفرض الإذعان أو سلب الحقوق المقرة دستورياً.
ولا تقف الأعباء الاقتصادية عند حدود حصة الإقليم المالية، بل تتجاوزها إلى القرارات المالية المركزية التي أضرت بالقدرة الشرائية لجميع العراقيين، وفي مقدمتها مشكلة رفع سعر صرف الدولار مقابل الدينار إلى مستويات مرتفعة ناهزت 1500 دينار للدولار الواحد.
لقد أدى هذا الخيار المالي إلى موجة غلاء تضخمية أثقلت كاهل المواطنين في العراق و إقلیم کوردستان وبقية محافظات العراق الفدرالي، دون أن ترافقها معالجات هيكلية تعوض الانكماش الحاصل في دخل الفرد، مما ضاعف من حدة الأزمة المعيشية داخل إقليم كوردستان في ظل احتجاز مستحقاته واستمرار استقطاع حصصه العادلة.
وأمام هذه التحديات الجسيمة، أثبتت القيادة الحكيمة في إقليم كوردستان نضجاً سياسياً وحرصاً عالياً على الاستقرار.
فلم تتجه نحو التصعيد أو قطيعة المؤسسات الاتحادية، بل اعتمدت نهج الحوار المتوازن وتقديم المبادرات البناءة.
لقد أبدى الإقليم أعلى درجات المرونة والشفافية في ملفات النفط والمنافذ الحدودية والإيرادات غير النفطية، وفتحت حكومة الإقليم أبوابها للجان التفتيش والرقابة المالية الاتحادية للوصول إلى حلول عادلة وشاملة تستند إلى الدستور العراقي والاتفاقات السياسية المبرم.
إن هذا النهج الذي تتبعه قيادة الإقليم ليس من موقف ضعف، بل هو نابع من إدراك عميق لمفهوم الدولة، ومحاولة صادقة للدفاع عن حقوق شعب كوردستان ضمن إطار العراق الفدرالي، مع الحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار الاقتصادي للجميع.
إن الخطاب اليوم موجه بوضوح إلى الحكومة الاتحادية والقوى السياسية الوطنية النافذة في بغداد، إن قوة العراق وتماسكه لا يتحققان بإضعاف إقليم كوردستان أو مصادرة حقوقه الدستورية، بل بتجسيد مبادئ الشراكة الحقيقية، والتوازن، والتوافق.
إن مشروع قانون الموازنة لعام 2027 يجب أن يتطهر من روائح الانتقام السياسي وحسابات الهيمنة، ليصدر بوصفه قانوناً للعدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة لكل العراقيين دون تمييز.
إن الانطلاق نحو مستقبل آمن واقتصاد مستقر يتطلب الشجاعة في الاعتراف بالحقوق، والتخلي عن أساليب الضغط المالي، والالتزام الصارم بما نص عليه الدستور.
إن إقليم كوردستان كان وسيظل ركناً أساسياً في بناء العراق الاتحادي، والدفاع عن حقوق شعبه ليس مجرد قضية إقليمية، بل هو دفاع عن أصل الفيدرالية وروح العقد الاجتماعي الذي جمع العراقيين جميعاً.