مهند محمود شوقي
كاتب كوردي
هيئة الاستثمار.. من جذب المستثمر إلى صناعة المنتج
قبل أيام، أجريت لقاءً مع الدكتور محمد شكري، رئيس هيئة الاستثمار في حكومة إقليم كوردستان كان الحوار فرصة للوقوف عند تجربة استثمارية امتدت لسنوات في ظروف لم تكن سهلة، ومحاولة فهم ما الذي تغير فعلياً في الاقتصاد الكوردستاني خلال هذه المرحلة، بعيداً عن لغة الأرقام المجردة أو الخطاب السياسي. ما لفتني في الحديث لم يكن فقط حجم المشاريع أو عدد الإجازات الاستثمارية، بل التحول في الفكرة نفسها: من البحث عن مستثمر يأتي إلى كوردستان، إلى محاولة بناء اقتصاد قادر على إنتاج ما يحتاجه، ثم الوصول بمنتجاته إلى الأسواق الخارجية.
حين تبدأ مؤسسة اقتصادية في قياس نجاحها بعدد المستثمرين الذين استطاعت جذبهم، فهي تؤدي مهمتها التقليدية. لكن عندما يصبح السؤال: ماذا أنتج هؤلاء المستثمرون؟ وكم فرصة عمل خلقوا؟ وما الذي أصبح يُصنع محلياً بدلاً من استيراده؟ وكيف يمكن أن يصل المنتج إلى الأسواق الخارجية؟ فإننا نكون أمام مفهوم مختلف للاستثمار.
من هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة هيئة استثمار كوردستان خلال السنوات السبع الماضية، وهي تجربة نشأت في واحدة من أكثر الفترات تعقيداً اقتصادياً وسياسياً في المنطقة.
فالكابينة التاسعة برئاسة مسرور بارزاني بدأت عملها عام 2019 في ظل أزمات مالية وخلافات مع بغداد، ثم جاءت جائحة كورونا، وانخفاض أسعار النفط، والتوترات الأمنية والإقليمية. ومع ذلك، لم يتعامل قطاع الاستثمار مع هذه الظروف باعتبارها سبباً لتأجيل التنمية، بل باعتبارها حافزاً لإعادة التفكير في طبيعة الاقتصاد نفسه.
كانت الفكرة الأساسية واضحة: ما يستهلكه سكان كوردستان ويأتي من الخارج، لماذا لا يصبح بالإمكان إنتاجه داخل الإقليم؟
ومن هنا بدأت رحلة الانتقال من اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد إلى اقتصاد يحاول توسيع قاعدة الإنتاج المحلي.
950 إجازة استثمارية
الأرقام تمنح هذه التجربة بعداً أكثر وضوحاً. فمنذ آب 2019 وحتى اليوم، أصدرت هيئة الاستثمار أكثر من 950 إجازة استثمارية في مختلف القطاعات، بينما بلغ عدد الإجازات الصادرة خلال الفترة من 2006 وحتى نهاية تموز 2019 نحو 856 إجازة.
لكن الرقم الأكثر أهمية ليس عدد الإجازات وحده، وإنما طبيعة المشاريع التي دخلت إلى الاقتصاد. فقد توسع الاستثمار من العقارات والمشاريع السكنية إلى الزراعة والصناعة والصناعات الغذائية ومواد البناء والتكنولوجيا.
البطاطا تقدم مثالاً لافتاً. فوفق ما أوضحه الدكتور محمد شكري، ارتفع الإنتاج من نحو 25 ألف طن سنوياً قبل عام 2018 إلى قرابة مليون طن. ومع تجاوز الإنتاج الحاجة المحلية، ظهرت مرحلة جديدة: تحويل الفائض إلى صناعة وفتح الطريق أمام التصدير.
وهنا تتغير وظيفة الاستثمار. فالمزرعة تحتاج إلى نقل وتخزين وتعبئة، والمصنع يحتاج إلى عمالة وطاقة ومعدات، والمنتج يحتاج إلى أسواق. أي أن المشروع الواحد يمكن أن يولد حوله شبكة من المشاريع والخدمات وفرص العمل.
وهذا هو الفرق بين زيادة النشاط الاقتصادي وبناء سلسلة قيمة اقتصادية.
دور يتجاوز إصدار الإجازات
في إدارة هذا التحول، برز دور الدكتور محمد شكري في نقل عمل الهيئة من الإطار الإداري التقليدي إلى حضور اقتصادي أكثر انفتاحاً على الخارج. فعمل الهيئة خلال هذه المرحلة لم يقتصر على إصدار الإجازات ومتابعة المشاريع، بل شمل بناء علاقات مباشرة مع المستثمرين والشركات والمؤسسات الاقتصادية الدولية، والمشاركة في المعارض والمنتديات العالمية، والترويج لفرص كوردستان الاستثمارية.
هذا الحضور جعل الهيئة جزءاً من عملية وصل الاقتصاد المحلي بالأسواق الخارجية، خصوصاً مع إطلاق Invest Kurdistan وتوسيع المشاركة في دافوس وباريس ودبي وعدد من المنتديات الأوروبية. وفي الوقت نفسه، ظل التركيز قائماً على المستثمر المحلي باعتباره شريكاً أساسياً في بناء قاعدة إنتاج قادرة على الاستمرار.
أكثر من 700 شركة أجنبية
الاقتصاد المنتج يحتاج إلى سوق، والسوق الحديثة لا تتوقف عند الحدود.
لذلك لم تكتفِ هيئة الاستثمار بمحاولة استقطاب المستثمرين إلى كوردستان، بل سعت إلى نقل صورة الإقليم وفرصه ومنتجاته إلى الخارج عبر علامة Invest Kurdistan، والمشاركة في المنصات الاقتصادية الدولية.
من دافوس إلى باريس ودبي، أصبحت كوردستان حاضرة في منتديات ومعارض اقتصادية عالمية، بينها المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ومعرض SIAL في باريس، ومعرض Gulfood في دبي، إلى جانب منتديات اقتصادية في عدد من الدول الأوروبية بهدف نقل التكنولوجيا والخبرات إلى المصانع المحلية.
وفي أربيل نفسها، شاركت أكثر من 700 شركة أجنبية في ثلاثة معارض اقتصادية متزامنة، وفق ما أعلنه رئيس الهيئة.
لا يعني ذلك أن كل شركة حضرت إلى أربيل ستتحول إلى مستثمر، لكن الرقم يحمل دلالة اقتصادية مهمة: الشركات العالمية أصبحت مستعدة للنظر إلى كوردستان باعتبارها سوقاً وفرصة تستحق الزيارة والدراسة.
وهنا يتحول المعرض من فعالية تجارية إلى أداة من أدوات الدبلوماسية الاقتصادية. فالمستثمر الذي يرى المدينة ومشاريعها وقطاعها الخاص بنفسه، يستطيع أن يبني قراره على تجربة مباشرة، لا على صورة تأتيه من الخارج.
جائزة دولية
ربما يكون المؤشر الثالث هو الأكثر رمزية.
ففي عام 2024، حصلت هيئة استثمار كوردستان، وفق ما أعلنه رئيسها، على الجائزة الأولى كأفضل هيئة تقدم تسهيلات للمستثمرين في منطقة الشرق الأوسط خلال ملتقى الاستثمار السنوي في الإمارات.
الجائزة لا تختصر تجربة الاستثمار في كوردستان، ولا يمكن اعتبارها وحدها دليلاً على نجاح اقتصادي شامل، لكنها تصبح ذات معنى عندما توضع إلى جانب الرقمين الآخرين: أكثر من 950 إجازة استثمارية، وحضور أكثر من 700 شركة أجنبية في المعارض.
ثلاثة أرقام ترسم مساراً واحداً: جذب رأس المال، فتح الأبواب أمام العالم، ثم محاولة تحويل الاستثمار إلى إنتاج.
والعنصر الذي يمنح هذا المسار بعداً أكثر استدامة هو الإنسان. فقد أُلزم المستثمرون بتشغيل ما لا يقل عن 75% من العمالة المحلية، بينما تجاوزت النسبة الفعلية في عدد من المشاريع 90%. وهذا يعني أن الاستثمار لا يضيف مصانع ورأس مال فقط، بل يراكم الخبرة والمهارات داخل المجتمع.
لكن الاختبار الحقيقي يبدأ من هنا.
فبعد إصدار الإجازة، وجذب الشركة، والحصول على الجائزة، تأتي الأسئلة الأصعب: هل تستطيع المشاريع المنافسة؟ هل ترتفع جودة المنتجات؟ هل تنخفض كلفة الإنتاج والنقل؟ هل تتوسع الصادرات؟ وهل تتحول التكنولوجيا الأجنبية إلى معرفة محلية؟
هذه الأسئلة ستحدد مستقبل التجربة أكثر من أي رقم آخر.
كما أن استقرار العلاقة الاقتصادية بين أربيل وبغداد سيبقى عاملاً مهماً. فكوردستان ليست جزيرة اقتصادية منفصلة، والسوق العراقية الواسعة يمكن أن تكون امتداداً طبيعياً للمنتجات الكوردستانية، كما أن المستثمر العراقي والأجنبي يستطيع النظر إلى السوقين باعتبارهما فضاءً اقتصادياً متشابكاً.
خلال السنوات الماضية، تحركت هيئة الاستثمار من مفهوم تقليدي يقوم على جذب المستثمر إلى مفهوم أكثر اتساعاً يقوم على صناعة البيئة التي تجعل الاستثمار منتجاً.
بدأ السؤال بـ: ماذا نستورد؟
ثم أصبح: ماذا نستطيع أن ننتج؟
والتحدي المقبل هو: ماذا نستطيع أن نصدر؟
عند هذه النقطة تحديداً، يصبح الاستثمار أكثر من إجازة أو مصنع أو معرض. يصبح جزءاً من مشروع اقتصادي طويل الأمد، ينقل كوردستان من موقع المستهلك إلى موقع المنتج، ومن سوق تستقبل السلع إلى اقتصاد يسعى إلى صناعة السلع وفتح الأسواق أمامها.
وهنا تكمن القصة الحقيقية لهيئة الاستثمار: المستثمر ليس نهاية الطريق، بل بداية صناعة المنتج.