مهند محمود شوقي
كاتب كوردي
كوردستان تحت الضغط.. إرث اقتصاد الأزمة ومعركة بناء المستقبل
في الاقتصاد السياسي، لا تكفي معرفة حجم الأموال التي أنفقتها الحكومة للحكم على تجربتها، بل ينبغي السؤال عما بقي من تلك الأموال في صورة خدمات وفرص عمل واستقرار. وبالمثل، لا يمكن تقييم أزمة الرواتب من دون معرفة ما ورثته الحكومة من ديون، وما خسرته من إيرادات، وما اتخذته من قرارات، وما استطاعت تحقيقه رغم القيود. هذه هي المعادلة التي ينبغي أن نقرأ من خلالها تجربة حكومة مسرور بارزاني منذ عام 2019.
لم تبدأ الحكومة التاسعة من أرض مالية مستقرة. فقد دخل إقليم كوردستان مرحلة ما بعد 2014 تحت ضغط الحرب على تنظيم داعش، وانخفاض أسعار النفط، والخلافات مع بغداد بشأن الموازنة والتحويلات، وأعباء استضافة النازحين واللاجئين. ويشير تقرير البنك الدولي إلى أن الدين العام للإقليم ارتفع من أقل من مليار دولار عام 2012 إلى نحو 18 مليار دولار عام 2015، فيما تراكمت متأخرات بلغت 8 مليارات دولار بنهاية ذلك العام على الرواتب ومستحقات الشركات النفطية. لم تكن هذه أرقاماً عابرة، بل مؤشراً إلى أزمة تمويل عميقة سبقت تولي مسرور بارزاني المسؤولية.
لكن الإرث المالي لم يكن التحدي الوحيد. فقد بقيت العلاقة بين أربيل وبغداد محكومة بخلافات حول تفسير الصلاحيات الدستورية، وإدارة النفط، والإيرادات، وحصة الإقليم من الموازنة. ومع مرور السنوات، تحولت هذه الخلافات إلى عامل يؤثر مباشرة في قدرة الحكومة على التخطيط، لأن الموازنة لا تستطيع العمل بكفاءة عندما تصبح تدفقاتها المالية موضع نزاع متكرر. ومن منظور اقتصادي، لا تقتصر كلفة ذلك على الرواتب المتأخرة؛ بل تشمل أيضاً تأجيل المشاريع، وتراجع ثقة المستثمرين، وصعوبة الالتزام بعقود طويلة الأجل.
ثم جاء توقف صادرات النفط عبر تركيا في مارس 2023 ليضيف صدمة جديدة. فقد أعلنت حكومة الإقليم أن توقف الصادرات تسبب بخسائر تجاوزت 25 مليار دولار للاقتصاد العراقي والإقليم والشركات المعنية مجتمعة. وهذا تقدير حكومي للخسائر، وليس مبلغاً يمكن نسبته كله إلى خزينة الإقليم، لكنه يوضح حجم المورد الذي تعطّل وأثره في الاقتصاد. وفي يناير 2026، قالت حكومة الإقليم إن استحقاقاتها المالية المحددة خلال 2023–2025 بلغت نحو 58.3 تريليون دينار، بينما وصلت التحويلات الفعلية إلى نحو 24.3 تريليون دينار، أي قرابة 41% من المبلغ الذي تعتبره مستحقاً لها. ويبقى هذا عرضاً لموقف أربيل في خلاف مالي يحتاج إلى تسوية شفافة ومراجعة مشتركة مع بغداد.
وسط هذه المعادلة، لا يجوز اختزال الموظف في بند من بنود الموازنة. فالموظف الذي ينتظر راتبه يدفع ثمن الأزمة من استهلاك أسرته وتعليم أبنائه والتزاماته اليومية. وتشير تقارير عن الرواتب إلى تراكم مبالغ كبيرة من الرواتب غير المصروفة والاستقطاعات والادخار الإجباري خلال السنوات الماضية. غير أن الإنصاف يقتضي فصل ما تراكم قبل 2019 عما نشأ بعده، والتمييز بين الراتب الذي لم يُصرف والجزء الذي اقتُطع من راتب مدفوع، وعدم جمع هذه الفئات في رقم واحد من دون توحيد منهجية الحساب. كما أن الضغوط الخارجية لا تعفي الحكومة من مسؤوليتها عن الشفافية، وتحديد المستحقات، ووضع خطة قابلة للقياس لإعادة انتظام الرواتب.
لكن السؤال الاقتصادي الأعمق هو: ماذا فعلت الحكومة في الوقت الذي كانت فيه مواردها تواجه هذه القيود؟ هنا تبرز أهمية المشاريع التي استهدفت تغيير نموذج تقديم الخدمات، وفي مقدمتها «روناكي». ففي العراق، يذكر صندوق النقد الدولي أن الإنفاق على قطاع الكهرباء تجاوز 80 مليار دولار منذ عام 2003 وفق أحد التقديرات التي استند إليها تقريره لعام 2023، ومع ذلك اتسع عجز القدرة بين الطلب والتجهيز من 3.3 غيغاواط عام 2003 إلى 10.7 غيغاواط عام 2021. وهذه المقارنة لا تعني أن ظروف الإقليم والاتحاد متطابقة، لكنها تطرح سؤالاً مشروعاً عن العلاقة بين الإنفاق والنتائج، وعن قدرة السياسات على تحويل الأموال إلى خدمة مستدامة.
في المقابل، أعلنت حكومة الإقليم في أكتوبر 2025 أن نحو 4.292 مليون مواطن باتوا يحصلون على الكهرباء على مدار الساعة ضمن مشروع روناكي، مع إخراج 3,689 مولدة أهلية من الخدمة. كما قالت إن 80% من المشتركين يدفعون أقل مما كانوا يدفعونه للكهرباء الوطنية والمولدات معاً. هذه مؤشرات مهمة، وإن كانت تحتاج إلى تقييم مستقل لكلفة المشروع، وموثوقية التجهيز، والتعرفة، ومدى التوفير الفعلي للأسر على المدى الطويل.
القيمة الاقتصادية لروناكي تتجاوز ساعات الكهرباء. فالمشروع يحاول نقل الخدمة من نموذج يعتمد فيه المواطن على مصدرين وتكاليف متراكمة إلى نموذج أكثر انتظاماً تقوده مؤسسة عامة. وهذا التحول يعيد ترتيب السوق ومصالح العاملين فيه، وقد يؤثر في اقتصاد المولدات الأهلية. لكن لا يصح افتراض أن كل معارضة للمشروع ناتجة عن مصالح متضررة؛ فهناك أيضاً أسئلة حقيقية عن الأسعار، وجودة الخدمة، وقدرة الأسر على الدفع. ومن هنا تصبح الشفافية هي الأداة الأقوى للدفاع عن المشروع: نشر بيانات الكلفة والتوفير والشكاوى والنتائج، حتى يُقاس النجاح بما يلمسه المواطن لا بما تقوله الحكومة وحدها.
سياسياً، تكمن أهمية هذه التجربة في أن الدولة لا تُبنى بمجرد توسيع المؤسسات، بل بقدرتها على الوفاء بالتزاماتها وتقديم الخدمات بانتظام. فإذا استمر تأخر الرواتب، تآكلت الثقة العامة حتى لو نُفذت مشاريع كبيرة؛ وإذا تحسنت الخدمات من دون استدامة مالية، فإن الإنجاز يبقى عرضة للتراجع. لذلك لا بد من الجمع بين إصلاح إدارة الإيرادات، وتنويع الاقتصاد، وحماية الاستثمار، وضمان حقوق الموظفين. وهذا يضع الحكومة أمام مسؤوليات لا تلغيها الضغوط الاتحادية، مثلما لا يجوز تجاهل أثر تلك الضغوط في قدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
أما البعد الأمني، فيزيد المعادلة تعقيداً. فاستهداف المنشآت النفطية أو تهديد المستثمرين، متى ثبتت الوقائع والمسؤوليات، لا يهدد الأمن وحده، بل يرفع كلفة الاستثمار ويقلل شهية الشركات للمخاطرة ويضعف الإيرادات التي تحتاجها الحكومة لتمويل الخدمات. ولذلك فإن حماية البنية التحتية ليست مسألة أمنية منفصلة عن الاقتصاد؛ إنها شرط من شروط انتظام الرواتب واستمرار المشاريع. ومن هنا يبرز سؤال الدعم الدولي: هل يقتصر دور الشركاء على الدعوة إلى الاستقرار، أم يمتد إلى دعم تسويات مالية مستدامة، وحماية الاستثمار، وتشجيع التعاون بين بغداد وأربيل وفق الدستور؟
و بصراحة فإن كوردستان لا تحتاج إلى إعفائها من النقد، بل إلى تقييم عادل يميز بين الإرث الذي تسلمته الحكومة، والأزمات التي طرأت لاحقاً، والقرارات التي تتحمل مسؤوليتها، والنتائج التي حققتها. كما تحتاج إلى اتفاق مالي مستقر يضمن وضوح الإيرادات والتحويلات، وإلى إدارة أكثر شفافية للرواتب والمشاريع، وإلى شراكة دولية لا تتعامل مع الاستقرار بوصفه شعاراً مؤقتاً. وهنا، لا تكمن القضية في الاختيار بين الدفاع عن الحكومة والدفاع عن الموظف. كلاهما جزء من المعادلة التي تحدد مستقبل الإقليم. فالموظف يحتاج إلى راتب منتظم، والمواطن يحتاج إلى كهرباء موثوقة، والاقتصاد يحتاج إلى استثمار آمن، والحكومة تحتاج إلى موارد يمكن التنبؤ بها. وأي سياسة لا تجمع هذه العناصر ستبقى معالجة جزئية للأزمة.
السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام بغداد وأربيل والشركاء الدوليين هو: كيف يمكن ضمان ألا تتحول الخلافات المالية والسياسية إلى أزمة متكررة يدفع المواطن كلفتها، فيما تتعطل فرص التنمية؟ الإجابة تبدأ من الاعتراف بحجم الإرث، ومراجعة السياسات بالأرقام، وحماية الاستحقاقات الدستورية، وتحويل المشاريع الناجحة إلى خدمات مستدامة يمكن قياس أثرها والتحقق منه.