ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
كوردستان بين الجغرافيا والتاريخ: كيف تشكّلت الهوية الكوردية عبر القرون؟
لم تكن كوردستان في تاريخها مجرد مساحة جبلية تفصل بين مناطق الشرق الأوسط، بل كانت فضاءً جغرافياً وحضارياً تفاعلت فيه الشعوب والثقافات والإمبراطوريات، وتشكلت ضمنه هوية الكرد عبر مسار تاريخي طويل. فقد أسهمت الجبال والوديان والممرات التجارية في رسم أنماط الاستقرار البشري، كما أدت التحولات السياسية والدينية واللغوية دوراً مهماً في تشكيل المجتمع الكردي وتطوير علاقته بالأقاليم المجاورة.
وعلى الرغم من أن كوردستان لم تعرف، في معظم تاريخها، حدوداً سياسية ثابتة تماثل حدود الدول المعاصرة، فإن اسمها ارتبط بمنطقة واسعة من المرتفعات الممتدة في أجزاء من العراق وتركيا وإيران وسوريا. وقد اختلفت حدود هذه المنطقة باختلاف العصور والظروف السياسية، الأمر الذي يجعل دراسة تاريخها بحاجة إلى التمييز بين الجغرافيا التاريخية، والحدود الإدارية، والتصورات القومية الحديثة.
الجغرافيا وصناعة التاريخ
شكّلت الطبيعة الجبلية إحدى السمات الأساسية لتاريخ كوردستان. فالمرتفعات التي تمتد عبر جبال زاغروس وطوروس، وما يتخللها من أودية وسهول وممرات، وفّرت بيئة مناسبة للاستقرار الزراعي والرعي وتربية المواشي، وأسهمت في نشوء تجمعات سكانية حافظت على علاقات متينة مع مناطقها المحلية، مع استمرار التواصل التجاري والثقافي مع المدن والسهول المجاورة.
ولم تكن الجبال، كما قد يُتصور أحياناً، عزلة كاملة عن العالم الخارجي؛ فقد كانت طرقاً للعبور والتبادل، ومناطق للتنافس بين القوى السياسية، وممرات تحركت عبرها الجيوش والقوافل والجماعات البشرية. ولذلك ارتبط تاريخ المناطق الكوردية بتاريخ بلاد الرافدين والأناضول والهضبة الإيرانية، وتأثر بالصراعات التي دارت بين القوى الكبرى في هذه الأقاليم.
كما أسهم التنوع البيئي في نشوء أنماط متعددة من الحياة الاجتماعية والاقتصادية، بين سكان المدن والقرى والجماعات الرعوية، وبين المناطق الجبلية والسهول الزراعية. وقد ترك هذا التنوع أثره في البنية الاجتماعية الكوردية، وفي تعدد اللهجات والتقاليد المحلية، وفي العلاقات بين العشائر والإمارات والمراكز الحضرية.
الجذور التاريخية: بين الشواهد القديمة وحدود الاستنتاج
تعود جذور المجتمعات التي عاشت في المناطق التي تُعرف اليوم بكوردستان إلى عصور قديمة جداً، شهدت تعاقب حضارات وشعوب متعددة. وقد وردت في المصادر التاريخية أسماء جماعات وكيانات سياسية عاشت في جبال زاغروس ومحيطها، مثل اللولوبيين والكوتيين والحوريين وغيرهم، كما شهدت المنطقة لاحقاً حضور قوى سياسية وإمبراطوريات كبرى.
غير أن وجود هذه الجماعات في الجغرافيا نفسها أو في مناطق متقاربة لا يكفي وحده لإثبات انتمائها المباشر إلى الشعب الكردي المعاصر. فإثبات الاستمرارية العرقية واللغوية يحتاج إلى أدلة تاريخية ولسانية متضافرة، ولا يصح بناء سلسلة نسب تاريخية متصلة على التشابه الجغرافي وحده.
وتبرز هنا أهمية الدراسات التاريخية واللغوية التي تتناول نشأة الشعوب الإيرانية، وتطور اللغات الإيرانية الغربية، والتحولات السكانية في مناطق زاغروس والأناضول. فالكردية تنتمي إلى الفرع الإيراني الغربي من اللغات الهندوأوروبية، وهو ما يضع تاريخ اللغة الكردية ضمن سياق أوسع من التفاعلات اللغوية والثقافية في المنطقة.
أما اسم الكورد، فقد شهدت دلالاته تحولات عبر المصادر والعصور؛ إذ لم تكن جميع الإشارات القديمة إلى ألفاظ قريبة منه تعني بالضرورة الشعب الكردي بالمفهوم القومي الحديث. ومن ثم، فإن دراسة تشكّل الهوية الكوردية تقتضي تتبّع تطور الاسم والجماعات واللغة والمؤسسات السياسية والاجتماعية، بدلاً من افتراض أن الهوية المعاصرة كانت مكتملة الحدود منذ العصور القديمة.
من العصور الإسلامية إلى بروز الإمارات الكوردية
مثّل دخول المناطق الكوردية في المجال السياسي والحضاري الإسلامي تحولاً مهماً في تاريخها. فمنذ القرون الإسلامية الأولى، ارتبطت هذه المناطق بمراكز الحكم في بلاد الرافدين والجزيرة الفراتية وإيران، وأصبحت جزءاً من شبكات التجارة والتعليم والقضاء والحياة الدينية في العالم الإسلامي.
وقد أسهم العلماء والفقهاء والأدباء الكورد في الحضارة الإسلامية، وبرزت شخصيات كردية في ميادين العلم والسياسة والتصوف والأدب. كما أصبحت اللغة العربية لغة مهمة للعلوم الدينية والفكرية لدى قطاعات واسعة من العلماء، في حين استمرت اللغات الكوردية في الحياة الاجتماعية والأدبية، وتطورت تقاليدها الشفوية والكتابية في سياقات تاريخية مختلفة.
ولم يؤد الانتماء إلى المجال الحضاري الإسلامي إلى اختفاء الخصوصيات المحلية؛ فقد تداخلت الهويات الدينية واللغوية والإقليمية، واختلفت أشكال التعبير عنها من منطقة إلى أخرى. وهكذا تشكلت في المجتمع الكوردي علاقات متعددة بين الانتماء الديني، والروابط المحلية، واللغة، والولاء السياسي.
وخلال العصور الوسطى، ظهرت أسر حاكمة وكيانات سياسية كوردية كان لها حضور في مناطق مختلفة، ومن أبرزها الدولة المروانية التي اتخذت من ديار بكر ومحيطها مركزاً لنفوذها في القرنين العاشر والحادي عشر، والدولة الأيوبية التي أسسها صلاح الدين الأيوبي في القرن الثاني عشر، وامتد نفوذها إلى مصر وبلاد الشام وأجزاء من مناطق أخرى في الشرق الأوسط.
ولا يمكن اختزال تاريخ الكورد في هذه الكيانات وحدها، كما لا يصح اعتبار كل دولة حكمتها أسرة ذات أصول كردية دولةً قومية كردية بالمعنى الحديث. غير أن هذه التجارب تؤكد أن الكرد شاركوا في تشكيل التاريخ السياسي للمنطقة، ولم يكونوا مجرد جماعات تعيش على هامش مراكز السلطة.
الإمارات الكوردية بين الاستقلال المحلي والتنافس الإقليمي
برزت الإمارات الكوردية بصورة واضحة في مراحل مختلفة، ولا سيما في ظل التنافس العثماني الصفوي، ثم خلال القرون اللاحقة. ومن أبرزها إمارات بهدينان وهكاري وسوران وبابان وبوتان، التي اختلفت في قوتها وحدود نفوذها وعلاقاتها بالقوى المجاورة.
وقد أدت هذه الإمارات أدواراً سياسية وإدارية وعسكرية، وأسهم بعضها في رعاية العلماء والمدارس والمؤسسات الدينية والأدبية. وكانت العمادية مركزاً مهماً لإمارة بهدينان، في حين ارتبطت إمارة سوران بمناطق رواندوز، وبرزت إمارة بابان في السليمانية ومحيطها، واتخذت بوتان من جزيرة ابن عمر ومناطقها مركزاً لنفوذها.
لم تكن هذه الإمارات دولاً قومية بالمعنى الذي ظهر في القرنين التاسع عشر والعشرين، بل كانت كيانات سياسية تقوم على تداخل السلطة الأسرية والعلاقات المحلية والتحالفات العسكرية والروابط القبلية. وقد امتلك بعضها قدراً واسعاً من الاستقلال الفعلي، في حين ارتبط بعضها الآخر بعلاقات تبعية أو تفاوض مع الدولة العثمانية أو إيران.
ويبرز في هذا السياق مشروع الأمير محمد باشا الرواندزي، المعروف بمير محمد، الذي سعى في النصف الأول من القرن التاسع عشر إلى توسيع سلطته وتعزيز الإدارة المركزية في إمارة سوران. وقد انتهت تجربته في سياق الصراع مع الدولة العثمانية والتحولات الإقليمية. وتكشف هذه التجربة عن إمكانات بناء سلطة سياسية واسعة في كردستان، كما تظهر أثر الانقسامات المحلية والضغوط الخارجية في مصير الإمارات.
ومع ذلك، فإن التجارب السياسية الكوردية لم تتخذ مساراً واحداً؛ فقد شهدت فترات من التعاون والتنافس، كما اختلفت أولويات الحكام المحليين بين المحافظة على نفوذهم الخاص، وتوسيع سلطتهم، ومواجهة القوى الإقليمية.
اللغة والثقافة والذاكرة الجماعية
إلى جانب الجغرافيا والسلطة السياسية، كانت اللغة والثقافة من أهم العوامل التي أسهمت في تشكيل الهوية الكوردية. فاللغة الكوردية، بلهجاتها وتنوعاتها الرئيسة، تمثل عنصراً أساسياً في الذاكرة الجماعية والتواصل الاجتماعي، وقد تطورت تقاليدها الأدبية في بيئات متعددة، من الشعر الشفوي إلى الكتابة والتأليف والطباعة الحديثة.
ويبرز في التاريخ الأدبي الكردي شعراء مثل أحمد خاني، الذي ارتبط اسمه بملحمة «مم وزين»، إلى جانب مدارس أدبية وشعرية نشأت في مناطق مختلفة من كوردستان. وقد أسهمت هذه الأعمال في التعبير عن القيم الاجتماعية والتجارب الإنسانية والتصورات الأخلاقية، كما أصبحت بعض النصوص لاحقاً جزءاً من الذاكرة القومية الكوردية.
وفي العصر الحديث، اكتسبت الصحافة والطباعة والتعليم أهمية متزايدة في تطوير الوعي اللغوي والثقافي. وشكّل صدور جريدة «كردستان» في القاهرة سنة 1898م، على يد مقداد مدحت بدرخان، محطة بارزة في تاريخ الصحافة الكوردية؛ إذ أتاحت فضاءً جديداً لنشر الأفكار والتواصل بين المثقفين والمهتمين بالشأن الكردي خارج الحدود المحلية.
ولم يكن تشكّل الوعي القومي نتيجة عامل منفرد، بل جاء في سياق التحولات التي شهدتها الدولة العثمانية وإيران، وانتشار التعليم الحديث والصحافة، وصعود القوميات في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وقد تفاعلت هذه العوامل مع الذاكرة التاريخية واللغة والتقاليد المحلية لتمنح الهوية الكوردية تعبيراً سياسياً وثقافياً جديداً.
من انهيار الإمبراطوريات إلى الحدود الحديثة
أحدثت الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية تحولات عميقة في مستقبل كوردستان. فقد أُعيد رسم الحدود السياسية في الشرق الأوسط، وتوزعت المناطق ذات الأغلبية الكردية أو الحضور الكوردي الواسع بين دول حديثة التكوين أو إعادة التشكّل، ولا سيما تركيا والعراق وإيران وسوريا.
وقد أثرت هذه الحدود في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين المجتمعات الكردية، ووضعت الحركة السياسية الكردية أمام تجارب مختلفة تبعاً للسياسات التي انتهجتها الدول المعنية. كما شهد القرن العشرون حركات سياسية وانتفاضات ومطالب متباينة، تراوحت بين الاعتراف الثقافي واللغوي والحكم الذاتي والفيدرالية والاستقلال، وفقاً للظروف التاريخية والسياسية لكل مرحلة.
وفي العراق، شهدت القضية الكوردية محطات مهمة، من الحركات المسلحة والمفاوضات السياسية إلى اتفاق الحكم الذاتي سنة 1970م، ثم الانتفاضات والتحولات التي أعقبت حرب الخليج سنة 1991. وبعد عام 2003م، أقر النظام الدستوري العراقي بإقليم كوردستان بوصفه إقليماً اتحادياً، وهو تطور نقل القضية الكوردية في العراق إلى مرحلة مؤسساتية جديدة، من دون أن ينهي جميع الخلافات المتعلقة بالصلاحيات والموارد والمناطق المتنازع عليها.
وهنا ينبغي التمييز بين التجربة الكوردية في العراق وتجارب الكورد في الدول الأخرى؛ فالتاريخ المشترك واللغة والروابط الثقافية لا تلغي اختلاف السياقات السياسية والقانونية والاجتماعية التي عاشتها المجتمعات الكردية في كل دولة.
الهوية الكوردية بين الذاكرة والتحديات المعاصرة
إن الهوية الكوردية ليست نتاج الجغرافيا وحدها، ولا يمكن تفسيرها بالعودة إلى الماضي البعيد فحسب. فهي حصيلة تفاعل طويل بين اللغة والذاكرة والتقاليد الاجتماعية والتجارب السياسية والثقافية، فضلاً عن علاقات الكورد بالشعوب المجاورة وبالتحولات الكبرى التي شهدها الشرق الأوسط.
وقد حافظ المجتمع الكوردي على تنوع ديني ومذهبي وثقافي، يضم المسلمين بمذاهبهم المختلفة، إلى جانب الإيزيديين والمسيحيين وجماعات أخرى، مع تفاوت أحجام هذه المكونات وتوزيعها الجغرافي عبر العصور. ويُعدّ هذا التنوع جزءاً من تاريخ المنطقة، ويستحق دراسة تقوم على التوثيق والإنصاف، بعيداً عن تعميم تجارب منطقة واحدة على كوردستان كلها.
وفي الوقت الحاضر، تواجه المجتمعات الكردية تحديات تتعلق بالحفاظ على اللغة والتراث، وتطوير التعليم والبحث التاريخي، وتعزيز المؤسسات، ومعالجة الخلافات السياسية والاجتماعية. كما أن التغيرات الإقليمية والاقتصادية والهجرة والتحولات الرقمية تطرح أسئلة جديدة بشأن انتقال الذاكرة التاريخية إلى الأجيال الشابة.
ومن المهم ألا يتحول التاريخ إلى مجموعة من الروايات الاحتفالية التي تتجاهل الصراعات والانقسامات والإخفاقات، كما لا ينبغي اختزاله في سرديات تنفي دور الكرد أو تقلل من إسهاماتهم. فالتاريخ الجاد يتيح قراءة الإنجازات والإخفاقات معاً، ويضع الوقائع في سياقاتها، ويميّز بين ما تثبته المصادر وما تطرحه الذاكرة الجماعية من تأويلات.
لقد كانت كوردستان، عبر قرون طويلة، ملتقىً للجغرافيا والسياسة والثقافة، وكان الكرد جزءاً فاعلاً من تاريخ الشرق الأوسط، على الرغم من اختلاف أشكال حضورهم السياسي بين مرحلة وأخرى. ومن هنا، فإن فهم الهوية الكردية يتطلب الجمع بين دراسة الماضي القديم، وتحليل التجارب الإسلامية والإماراتية، وتتبع نشوء الوعي القومي الحديث، وفهم التحولات التي أفرزتها الحدود والدول المعاصرة.
فالتاريخ ليس مجرد سجل للماضي، بل أداة لفهم الحاضر وتجنب تكرار أخطائه. وكلما استندت دراسة تاريخ الكرد إلى المصادر المتنوعة والمنهج النقدي، ازدادت قدرتها على تقديم صورة أكثر دقة عن مجتمع تشكلت هويته عبر التفاعل بين المكان واللغة والذاكرة والتجربة الإنسانية المشتركة.