مسارات تشكّل العقل الديني الكوردي في الحضارة الإسلامية: من الشافعية والأشعرية إلى التصوف والإصلاح

مسارات تشكّل العقل الديني الكوردي في الحضارة الإسلامية: من الشافعية والأشعرية إلى التصوف والإصلاح
مسارات تشكّل العقل الديني الكوردي في الحضارة الإسلامية: من الشافعية والأشعرية إلى التصوف والإصلاح

لم يكن تشكل الشخصية الدينية للكورد قائمًا على الفقه والعقيدة وحدهما، وإنما أسهمت في بنائها منظومة متكاملة جمعت بين العلم الشرعي والتربية الروحية والأخلاق والسلوك الاجتماعي. وإذا كانت الشافعية والأشعرية قد أسهمتا بصورة أساسية في تحديد الإطار الفقهي والعقدي للمجتمع الكردي، فإن التصوف السني أدى دورًا مكملًا في الجانب التربوي والأخلاقي، إذ ربط بين المعرفة والعمل، وبين العبادة والسلوك، وجعل تزكية النفس جزءًا من الحياة الدينية اليومية. ومن هنا وجد التصوف أرضية واسعة في البيئة الكوردية، لا باعتباره دينًا جديدًا أو مذهبًا مستقلًا، وإنما باعتباره منهجًا للتربية والإصلاح داخل الإطار الإسلامي العام.

وقد عزز هذا الاتجاه ما مثله أبو حامد الغزالي (450–505هـ/1058–1111م) من نموذج علمي جمع بين الفقه الشافعي والعقيدة الأشعرية والتربية الصوفية، وهو نموذج كان له أثر واسع في المشرق الإسلامي، ومنه المناطق الكوردية. وبذلك لم يُنظر إلى التصوف السني، في صورته التقليدية الغالبة في كردستان، بوصفه بديلًا عن الشريعة، وإنما بوصفه وسيلة لتحقيق مقاصدها الأخلاقية والروحية.

وساعدت طبيعة المجتمع الكوردي، بما فيه من روابط عشائرية وريفية وجبلية، على انتشار هذا النمط من التدين. فقد كانت الجماعات المحلية بحاجة إلى مرجعيات تتجاوز العصبيات العشائرية وتملك القدرة على الإصلاح والوساطة وحل النزاعات. ولم يكن الفقيه يؤدي جميع هذه الوظائف بالضرورة، إذ كانت مهمته الأساسية تتمثل في التعليم والإفتاء والقضاء، بينما جمع الشيخ الصوفي، في كثير من الحالات، بين التعليم والتربية والإصلاح الاجتماعي والوساطة بين الجماعات.

ومن هنا تحولت الزاوية الصوفية إلى مؤسسة متعددة الوظائف؛ فهي مكان لتعليم القرآن والفقه، ومجلس للإرشاد والمشورة، ومركز للإصلاح بين المتخاصمين، وملجأ للفقراء والمسافرين، ومؤسسة لإغاثة المحتاجين. وفي بعض الظروف أصبحت الزاوية ذات تأثير في القضايا العامة، ولا سيما أثناء الحروب والأزمات. ولذلك لم يكن نفوذ التصوف في المجتمع الكوردي قائمًا على الجانب الروحي وحده، بل ارتبط كذلك بوظائف اجتماعية وتعليمية وإنسانية جعلت الزوايا جزءًا من البنية اليومية للمجتمع.

وكانت الطريقة القادرية من أقدم الطرق التي رسخت حضورها في كوردستان، وهي المنسوبة إلى الشيخ عبد القادر الكيلاني (470–561هـ/1077–1166م). وقد أسهم قرب بغداد من المناطق الكوردية في تسهيل انتقال تأثيرها؛ إذ كانت بغداد مركزًا علميًا مهمًا يقصده طلبة العلم الكرد، فيتلقون العلوم الشرعية ويتعرفون في الوقت نفسه إلى المدرسة الروحية التي ارتبطت بالشيخ عبد القادر. ثم عاد هؤلاء إلى مناطقهم حاملين معهم منهجًا جمع بين التمسك بالشريعة والزهد والتربية والإصلاح.

وانتشرت القادرية في مناطق متعددة من كوردستان، ومنها العمادية وأربيل والموصل وشهرزور وسنندج وغيرها. ولم تكن القادرية منفصلة عن المؤسسة العلمية، إذ كان كثير من شيوخها من الفقهاء والمحدثين والمدرسين، فكان الانتماء إلى الطريقة الصوفية لا يلغي طلب العلم، بل يتداخل معه. ولهذا أمكن للعالم نفسه أن يجمع بين التدريس في المدرسة والإرشاد في الزاوية، وأن ينظر إلى العلم والتزكية باعتبارهما جانبين متكاملين من الحياة الدينية.

ومع مرور الزمن أصبحت الطرق الصوفية جزءًا من البنية الاجتماعية في كوردستان، وارتبطت بها أسر علمية معروفة، وأصبحت بعض الزوايا مراكز للتعليم والإصلاح وإبرام الصلح والضيافة ورعاية الفقراء. وبذلك تجاوزت الزاوية وظيفتها الروحية الضيقة وأدت بعض الوظائف التي لم تكن مؤسسات الدولة قادرة دائمًا على القيام بها في المجتمعات المحلية.

وفي أواخر القرن الثاني عشر الهجري وبدايات القرن الثالث عشر الهجري، برز تحول مهم مع انتشار الطريقة النقشبندية، التي تعود أصولها إلى بهاء الدين نقشبند (718–791هـ/1318–1389م)، ثم اكتسبت في كوردستان والمناطق المجاورة حضورًا واسعًا مع مولانا خالد النقشبندي (1193–1242هـ/1779–1827م). وقد كان مولانا خالد من أبرز الشخصيات الدينية الكوردية في العصر الحديث؛ إذ جمع بين التكوين الفقهي والعلمي والتربية الصوفية والإصلاح.

تلقى مولانا خالد علومه في السليمانية، ثم رحل إلى الهند حيث أخذ الطريقة عن عبد الله الدهلوي (1158–1240هـ/1745–1824م)، قبل أن يعود إلى بغداد ثم ينتقل إلى دمشق. وهناك أسهم في نشر منهج نقشبندي جديد ارتبط باسمه، وعرف لاحقًا بالخالدية. وانتشرت هذه الطريقة في العراق وكوردستان والشام والأناضول والقوقاز، وأصبحت ذات تأثير واسع في الحياة الدينية.

ويختلف حضور النقشبندية الخالدية عن القادرية من حيث الأسلوب والوسائل أكثر مما يختلف عنها من حيث الأصول العامة. فقد اتسمت الخالدية بعناية أكبر بالتعليم الشرعي والانضباط السلوكي والذكر الخفي والمراقبة ومحاسبة النفس، وربطت التربية الصوفية بالالتزام بالكتاب والسنة. وكان عدد من شيوخها من الفقهاء والمدرسين، مما عزز العلاقة بين المدرسة الشرعية والزاوية.

أما القادرية فتميزت بطابع شعبي واجتماعي أكثر وضوحًا، واتسعت بين عامة الناس والعشائر والبيئات الريفية، وارتبط نشاطها بالذكر والضيافة وإطعام الفقراء واستقبال الزائرين والإصلاح بين الناس. ولا يعني ذلك أن النقشبندية اقتصرت على النخب أو أن القادرية لم يكن لها حضور بين العلماء، وإنما يشير إلى اختلاف نسبي في طبيعة الانتشار والتأثير.

ومن المهم، في هذا السياق، تجنب تصوير العلاقة بين الطريقتين على أنها صراع مذهبي أو عقدي. فالمادة التاريخية المتعلقة بالحياة الدينية الكوردية تشير إلى وجود قدر كبير من التكامل بينهما، بل إن بعض العلماء انتسبوا إلى أكثر من طريقة، وحملوا إجازات صوفية متعددة. وظلت المرجعية الفقهية والعقدية الغالبة في هذا السياق مرتبطة بالشافعية والأشعرية، بينما اختلفت الطرق في وسائل التربية والسلوك وأساليب التأثير الاجتماعي.

وقد ازدادت أهمية النقشبندية خلال القرن التاسع عشر، حين شهدت المنطقة تحولات سياسية وفكرية وإدارية واسعة. وأسهم عدد من شيوخها في تجديد التعليم الديني وربط المجتمع الكردي بالمراكز العلمية الكبرى في بغداد ودمشق وإستنبول، كما شارك بعضهم في الإصلاح والحركات العامة. وهكذا أصبحت بعض الزوايا النقشبندية مراكز للوعي الديني إلى جانب وظيفتها التربوية.

وفي المقابل، ظلت القادرية ذات تأثير اجتماعي واسع، خصوصًا بسبب قدرتها على الاندماج في الحياة المحلية والاستجابة لحاجات المجتمع اليومية. ومن ثم يمكن فهم انتشار الطريقتين في إطار اختلاف الظروف التاريخية التي خدمتها كل واحدة منهما، لا في إطار المفاضلة المطلقة بينهما.

واستمر التصوف السني في كوردستان، خلال القرون اللاحقة، متداخلًا مع المؤسسة العلمية. فقد جمع عدد من العلماء بين الفقه والتحديث والتدريس والانتماء إلى إحدى الطرق الصوفية. ومن الأسماء التي يعكس حضورها هذا التداخل الشيخ معروف النودهي، ومولانا خالد النقشبندي، والشيخ نور الدين البريفكاني، وكاكا أحمد البرزنجي، والشيخ بهاء الدين النقشبندي. ويكشف هذا التداخل عن طبيعة خاصة للحياة الدينية الكوردية، لم يكن فيها الفصل بين الفقيه والمتصوف حادًا بالضرورة.

غير أن أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين شهدت ظهور اتجاهات إصلاحية أخذت تنتقد بعض الممارسات المرتبطة بالطرق الصوفية. وتأثرت هذه الاتجاهات بحركة التجديد الإسلامي التي ارتبطت بمحمد عبده (ت 1905م) ومحمد رشيد رضا (ت 1935م)، ثم ببعض أفكار المدرسة السلفية الحديثة. ولم يكن الاعتراض في جميع الحالات موجهًا إلى التصوف باعتباره منهجًا لتزكية النفس، وإنما إلى ممارسات رأى أصحاب الاتجاه الإصلاحي أنها تجاوزت حدود الشريعة، ومنها الغلو في تعظيم بعض المشايخ، والمبالغة في الكرامات، والاستغاثة بالأموات، وبعض الطقوس الشعبية، والتقليد غير المنضبط للشيخ.

وكان المعيار الذي رفعه الإصلاحيون هو الرجوع إلى القرآن والسنة، ورفض ما اعتبروه من الممارسات الدخيلة أو المخالفة لأصول الدين. ومن ثم ينبغي التمييز بين نقد التصوف من حيث الأصل وبين نقد بعض الممارسات التي ظهرت داخل بعض البيئات الصوفية؛ فهذا التمييز يساعد على فهم طبيعة الخلاف بعيدًا عن التعميم.

ويمثل الملا "محمد كَوْرَه الكويي" حالة مهمة في هذا السياق، وإن اختلفت خلفيته عن التيارات الحديثية والسلفية. فقد ارتبط خطابه بالإصلاح والنقد الاجتماعي والنزعة العقلية والقومية، ووجّه انتقادات إلى استغلال بعض الشيوخ للدين، وتحول بعض الطرق إلى وسيلة للنفوذ الاجتماعي، وانتشار الجهل بين بعض المريدين، واستعمال الكرامات لكسب الأتباع، والخضوع غير النقدي لبعض المشايخ.

ومع ذلك، لا يظهر من هذه الانتقادات أنه دعا إلى إلغاء التصوف السني أو القضاء على الزوايا من حيث الأصل، وإنما كان نقده موجهًا بصورة أساسية إلى ما رآه من مظاهر الدجل والخرافة واستغلال العامة والتعصب. ولذلك يمكن فهم مشروعه في إطار إصلاح المؤسسة الدينية وتحرير العقل وإحياء العلم، لا باعتباره دعوة إلى القطيعة الشاملة مع التصوف.

كما ارتبط الملا محمد بن الملا عبد الله الجلي زاده الكويي، المعروف بالملا الكبير، المتوفى سنة 1362هـ/1943م، بالاتجاه الإصلاحي الذي تأثر بأفكار محمد عبده ورشيد رضا. وقد انتشرت مجلة «المنار» في الأوساط العلمية العراقية، ومنها الموصل وكركوك وأربيل والسليمانية، ولا سيما بعد سنة 1908م. ولذلك ظهرت في الخطاب الإصلاحي موضوعات مثل العودة إلى القرآن والسنة، ومحاربة التقليد والجمود، وإصلاح التعليم الديني، ونقد بعض الممارسات الصوفية المخالفة للشرع، والاهتمام بالاجتهاد المقيد بأصول الفقه.

ولا تتوافر، بحسب المادة المعتمدة هنا، أدلة مباشرة تثبت اعتماد الملا محمد الكويي على مجلة «المنار» بصورة محددة، ولذلك ينبغي التعامل مع القول بتأثره بها باعتباره احتمالًا راجحًا قائمًا على التشابه الفكري وانتشار المجلة في الأوساط العلمية العراقية والكوردية، لا باعتباره حقيقة قطعية ما لم تؤيده نصوص مباشرة من مؤلفاته أو مراسلاته.

وتوجد، في المقابل، شهادة شخصية على وصول تأثير المدرسة الإصلاحية إلى بعض علماء كوردستان في القرن العشرين؛ فقد أفاد الملا عبد الهادي بن الملا عبد الوهاب أحمد المفتي الدهوكي، المتوفى سنة 1993م، لصاحب هذه الدراسة خلال مقابلة أجريت معه في دهوك سنة 1978م، بأنه كان متأثرًا بمنهج محمد رشيد رضا في «المنار»، ولا سيما في الدعوة إلى العودة إلى الكتاب والسنة، ونقد التقليد، وإصلاح التعليم الديني، وتنقية الممارسات الدينية مما علق بها من بدع وخرافات.

وتثير هذه المعطيات سؤالًا مهمًا: لماذا لم تؤدِ الانتقادات الإصلاحية إلى إضعاف الطرق الصوفية بصورة جذرية في المجتمع الكوردي؟ ويمكن تفسير ذلك بأن الزوايا لم تكن مجرد أماكن للذكر، بل كانت مؤسسات تعليمية واجتماعية تقوم بوظائف متعددة. كما أن عددًا من الأسر العلمية كان يجمع بين العلم والمشيخة، فلم يكن هناك انفصال كامل بين العالم والشيخ الصوفي. فضلًا عن ذلك، احتاج المجتمع المحلي إلى مرجعيات اجتماعية تتجاوز العصبيات العشائرية، وهو الدور الذي أدته الزوايا في كثير من المناطق.

ومن جهة أخرى، اكتسبت النقشبندية، ولا سيما الخالدية، مكانة إضافية بسبب ارتباط بعض شيوخها بالإصلاح والتعليم والحياة العامة، مما جعلها قادرة على التكيف مع التحولات الجديدة. ولهذا استمرت القادرية والنقشبندية في تمثيل حضور ديني مهم في كوردستان حتى منتصف القرن العشرين، رغم بروز التيارات الإصلاحية وانتقادها لبعض الممارسات الصوفية.

وعليه، فإن التجربة الكردية لا تبدو، في ضوء هذه المادة، قائمة على صراع ثنائي بسيط بين «السلفية» و«التصوف»، وإنما على تفاعل مستمر بين الفقه والتصوف والإصلاح. فقد حافظ التصوف السني على حضوره باعتباره عنصرًا من عناصر التربية الدينية والاجتماعية، بينما أسهمت التيارات الإصلاحية في مراجعة بعض الممارسات ونقد ما اعتبرته مخالفًا للكتاب والسنة أو ضارًا بالمؤسسة الدينية.

وبذلك تشكل العقل الديني الكوردي، عبر مراحل تاريخية متعاقبة، من تداخل الفقه الشافعي والعقيدة الأشعرية والتربية الصوفية، ثم من خلال ظهور تيارات إصلاحية سعت إلى تجديد التعليم وتنقية الممارسة الدينية. ولم يؤدِ هذا التفاعل، في عمومه، إلى قطيعة كاملة بين هذه الاتجاهات، بل أسهم في إعادة صياغة العلاقة بينها. ومن هنا يمكن النظر إلى تاريخ التدين الكوردي باعتباره مسارًا مركبًا تداخلت فيه المدرسة والزاوية، والفقه والتزكية، والتقليد والإصلاح، بما أسهم في تشكيل جانب مهم من البنية الفكرية والاجتماعية للمجتمع الكوردي.