مهند محمود شوقي
كاتب كوردي
مسرور بارزاني.. مرونة في التفاوض وثبات على الحقوق
منذ تسلمه رئاسة حكومة إقليم كوردستان في تموز 2019، بدا مسرور بارزاني أمام مسؤولية سياسية تتجاوز إدارة شؤون الإقليم الداخلية، إلى إعادة تنظيم العلاقة مع بغداد على أسس دستورية واضحة، بعد سنوات من الخلافات التي استنزفت الوقت والموارد وأثرت في حياة المواطنين. وعلى امتداد أكثر من سبع سنوات، اتسم تعامله مع الملفات العالقة بقدر ملحوظ من المرونة، دون أن تتحول هذه المرونة إلى قبول بسياسة فرض الأمر الواقع، أو التسليم بإجراءات تنتقص من الحقوق التي كفلها الدستور العراقي.
ولعل ما يميز هذه المرحلة أن حكومة الإقليم لم تغلق أبواب التفاوض، حتى في أشد الأوقات تعقيداً، بل سعت إلى معالجة المشكلات من جذورها، انطلاقاً من قناعة بأن الاتفاقات المؤقتة لا تكفي لبناء علاقة مستقرة بين حكومتين يفترض أنهما تعملان تحت مظلة دستورية واحدة. فالتفاهم الذي يعالج أزمة الرواتب لشهر واحد، ثم يعيد الأزمة في الشهر التالي، لا يمثل حلاً يمكن الاطمئنان إليه، مثلما أن الاتفاق النفطي الذي يفتقر إلى ضمانات قانونية واضحة يبقى معرضاً للتعطيل مهما بلغت أهميته الاقتصادية.
وفي هذا السياق، جاء اجتماع مجلس وزراء إقليم كوردستان، الأربعاء 14 تشرين الأول 2026، برئاسة مسرور بارزاني ليعيد مسألة الحقوق المالية إلى أساسها السكاني والدستوري، بعد تأكيد المجلس ضرورة اعتماد نسبة 14.14% بوصفها النسبة الحقيقية لسكان الإقليم عند تحديد حصته في الموازنة الاتحادية. وهذا الموقف لا يتعلق بمجرد اختلاف على أرقام، فالتعداد العام للسكان الذي أجراه العراق في 20 تشرين الثاني 2024 كان يفترض أن يوفر قاعدة علمية لتوزيع الموارد والتخطيط للخدمات. وإذا كانت حكومة الإقليم تتمسك بنسبة 14.14%، مقابل نسبة 12.68% التي أثارت اعتراضها، فإن معالجة الاختلاف تستوجب العودة إلى البيانات المعتمدة وطريقة احتسابها، مع التمييز بين الوزن السكاني للإقليم وحصته المالية التي تخضع بدورها لأحكام الموازنة والتزامات الطرفين والسؤال هنا يتصل بمبدأ أوسع: ما جدوى إجراء تعداد سكاني بتكاليف وجهود كبيرة إذا لم تتحول نتائجه إلى مرجع موثوق للقرارات الحكومية؟ وكيف يمكن الحديث عن عدالة توزيع الموارد دون الاتفاق على الأساس الذي تُحتسب بموجبه احتياجات السكان؟
ولعل الأساس في دراسة السنوات الماضية ومراجعة أحداثها يكشف أن بارزاني لم يتعامل مع العلاقة بين بغداد وأربيل من منطلق الرفض المسبق، بل انطلق من الحرص على إيجاد حلول عملية للخلافات القائمة. ففي ملفات النفط والموازنة والرواتب، خاضت حكومته مفاوضات طويلة، وأبدت استعداداً للتوصل إلى تفاهمات تتجاوز العقبات، رغم أن بعضها لم يصمد أمام الخلافات اللاحقة. وقد تجلى ذلك بصورة خاصة عقب توقف تصدير نفط الإقليم عبر ميناء جيهان في آذار 2023، وما خلفه من خسائر اقتصادية وضغوط مالية لم تقتصر آثارها على المؤسسات الحكومية، بل امتدت إلى الموظفين والأسواق والشركات العاملة في القطاع النفطي.وكان ممكناً أن تتحول هذه الأزمة إلى قطيعة سياسية مفتوحة، غير أن حكومة الإقليم واصلت التفاوض مع بغداد، انطلاقاً من أهمية استئناف التصدير وحماية المصالح الاقتصادية المشتركة. وهي سياسة تعكس إدراكاً بأن موارد العراق، مهما اختلفت الجهات التي تديرها، يجب أن تكون مصدراً لاستقرار المواطنين لا سبباً لتعطيل مصالحهم.
لكن التعاون لا يلغي وجود حدود دستورية ينبغي احترامها. فالمادة 117 من الدستور العراقي تعترف بإقليم كوردستان وسلطاته القائمة، فيما تنظم المواد 110 و115 و121 توزيع الاختصاصات بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم. كما أن المادتين 111 و112 تضعان المبادئ المتعلقة بملكية النفط والغاز وإدارتهما. ومن الصعب الوصول إلى تسويات دائمة دون تشريعات واضحة تفسر هذه الالتزامات وتنظم تنفيذها.
وقد سبق لبارزاني أن انتقد استمرار إدارة بعض الملفات بعقلية مركزية لا تنسجم مع طبيعة النظام الاتحادي، مشيراً إلى تأخر تنفيذ استحقاقات دستورية، بينها المادة 140 المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها، وغياب قانون اتحادي للنفط والغاز يحسم جانباً مهماً من الخلافات المتكررة.
ومن الإنصاف أيضاً القول إن احترام الدستور يفرض التزامات متبادلة. فمثلما يحق للإقليم المطالبة باستحقاقاته، تظل الشفافية في الإيرادات والإنفاق وتبادل المعلومات المالية والالتزام بالقوانين النافذة ضرورات لا غنى عنها. ولا يمكن لأي اتفاق أن يحقق الاستقرار إذا افتقر إلى الثقة أو ترك مجالاً واسعاً للتفسيرات المتناقضة.
أما البعد الذي كثيراً ما يغيب عن السجال السياسي، فهو الإنسان. فكل خلاف حول الموازنة يحمل انعكاسات على موظف ينتظر راتبه، وأسرة تخطط لمصاريف أبنائها، ومستشفى يحتاج إلى مستلزمات، ومشروع استثماري يرتبط بمئات فرص العمل. وهذه ليست تفاصيل ثانوية يمكن تأجيلها حتى انتهاء المفاوضات، بل مسؤوليات يومية ينبغي أن تبقى فوق الخلافات.
ومن هنا، فإن موقف مسرور بارزاني في اجتماع 14 تشرين الأول لا يمكن فصله عن مسار بدأ عام 2019، يقوم على التفاوض بشأن الحلول، مع رفض تحويل المرونة إلى وسيلة لفرض قرارات أحادية على الإقليم. فالتنازل عن بعض الإجراءات لتسهيل الاتفاق يختلف عن التنازل عن الحقوق نفسها، كما أن احترام المؤسسات الاتحادية لا يعني إلغاء الصلاحيات التي منحها الدستور لكوردستان.
والعراق اليوم بحاجة إلى تجاوز سياسة الاتفاقات التي تنتهي صلاحيتها عند أول خلاف، نحو علاقة تحدد فيها الحقوق والواجبات بقوانين واضحة وبيانات دقيقة وضمانات تنفيذية. فالدولة التي تحترم دستورها لا تحتاج إلى إعادة التفاوض على المبادئ الأساسية في كل موازنة جديدة.
وقد يكون هذا هو المعنى الأهم لموقف بارزاني: أن تبقى أبواب التفاهم مفتوحة، دون أن يصبح فرض الأمر الواقع بديلاً عن القانون. فاستقرار العراق يبدأ من احترام الشراكة التي تأسس عليها نظامه الاتحادي، ومن إدراك أن حقوق كوردستان ليست قضية منفصلة عن مستقبل الدولة، بل جزء من اختبار قدرتها على تحقيق العدالة لجميع مواطنيها.