د. چیمن بارزاني
عضو لجنة الأمن و الدفاع في مجلس النواب العراقي
قوات البيشمركة بين واجب التضحية وحق التسليح
يقف العراق اليوم أمام مرحلة فارقة ومفصلية في تاريخه الأمني والسياسي، فمع إنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي والاندفاع الحكومي نحو تسليح الدولة بمنظومات دفاع جوي ورادارات وأسلحة اعتراضية حديثة، يطرح سؤال السيادة والحماية الوطنية بأعلى درجات الإلحاح.
ونحن، من موقعنا النيابي والدستوري في لجنة الأمن والدفاع، لا يسعنا إلا أن نبارك أي جهد يحمي أرض الوطن وسماءه، لكن واجبنا تجاه أهلنا وتجاه الأمن القومي العراقي برمته يدفعنا لتوجيه التساؤل الجوهري المنكشف أمام هذه التطورات:
أين موقع إقليم كوردستان وقوات البيشمركة من هذه العقيدة التسليحية الجديدة؟
لقد أثبتت الصواريخ والطائرات المسيرة التي انتهكت سماء كوردستان مراراً وتكراراً أن الثغرات الجوية لا تعترف بحدود بين أربيل وبغداد، وأن أي اختراق في الاقلیم هو اختراق مباشر للعراق. حماية سماء الإقليم ليست منة ولا طلب فئوي، بل هي حماية مستحقة للساحة العراقية بأكملها.
وكما شدد رئيس حكومة إقليم كوردستان، السيد مسرور بارزاني، فإن امتلاك منظومة دفاع جوي متكاملة هو حاجة وطنية ومصلحة حيوية مشتركة تظلل بغداد وأربيل على حد سواء، وفق التفاهمات والاتفاقات التي طالما أكدت أن الغطاء الدفاعي العراقي واحد لا يتجزأ.
وهنا نضع الجميع أمام الحقيقة التي تقر بها القيادة العامة للقوات المسلحة في كل مناسبة، البيشمركة قوة نظامية وركن أساسي في المنظومة العسكرية العراقية.
هذه القوة هي التي وقفت في الميدان وكتبت بدمائها الخط الدفاعي الأول يوم انهارت قطعات كاملة أمام موجة داعش عام 2014، وحمت العاصمة بغداد قبل أن تحمي أربيل.
فمن غير المقبول الاستمرار في سياسة التعامل المزدوج، أن يستدعى أبناء البيشمركة للتضحية والقتال حين يداهم الخطر بوصفهم حماة الوطن، ثم يهمشوا ويستبعدوا من عقود التسليح المتطور والميزانيات الدفاعية بوصفهم شأناً محليا.
إن استئثار الحکومة الاتحادية بالسلاح المتطور وحرمان قوات رسمية كفلها الدستور من أسلحة الردع ممارسة لوطنية انتقائية تضعف الجسد الأمني العراقي وتجعله مكشوفاً.
وإذا كانت القوى السياسية في بغداد هي من أصرت على إنهاء وجود التحالف الدولي في البلاد، بما فيها إقلیم کوردستان، تحت شعار السيادة الكاملة، فإن أحكام هذه السيادة تحتم عليها تقديم البديل الأمني الحقيقي وتجهيز البيشمركة بما يحمي سماءها وأرضها، أو إفساح المجال كاملاً أمام الإقليم لتأمين هذه المنظومات بشكل مباشر.
إن التنسيق العسكري في مناطق المسؤولية المشتركة يجب ألا يظل محصوراً في الأطر الميدانية التقليدية، بل يجب أن يرتقي إلى مسار استراتيجي يضمن الشراكة الفعلية في إدارة مراكز القيادة والسيطرة والربط العملياتي.
فإقليم كوردستان الآمن والمستقر، والمحصن بمنظومات ردع حديثة، هو الجدار الصلب للبيئة الاستثمارية والاقتصادية التي تتطلع إليها حكومة بغداد نفسها.
صفقات السلاح الكبرى يجب أن تبنى على منطق الدولة ورسائل الطمأنة الشاملة، لا على الحسابات السياسية الضيقة والتحسبات الفئوية.
إن خروج القوات الدولية يضع السيادة العراقية على المحك، ولن تكون هذه السيادة موجبة ولا مكتملة ما لم تحم سماء أربيل والسليمانية ودهوك بذات القوة والحرص والتقنيات التي تحمى بها سماء بغداد والبصرة.