د. سامان سوراني
دکتوراه فلسفة بجامعة هایدلبرغ- ألمانیا
مصطفى بارزاني ومنهجیة التحول الاستراتيجي في التاريخ الكوردي المعاصر
ليس التاريخ في حقيقته مجرد رصد متعاقب للحقائق والوقائع، وإنما هو في المنظور الفلسفي ساحة تتدافع فيها الإرادات لتنسج هويات الأمم وتصنع تحولاتها الكبرى.
وبناءً على هذه الرؤية الفكرية، فإن ظهور القيادات التاريخية الاستثنائية لا يجري مجرى الصدف الجيوسياسية الطارئة، وإنما ينبثق كحتمية تاريخية تجسد نزعة الشعوب العارمة نحو الحرية، والبقاء، والانتزاع الكامل للشرعية.
وفي خلفية التحولات الجيوسياسية المعقدة التي شهدها الشرق الأوسط الحديث، يتجاوز حضور الأب الروحي للأمة الكوردية، مصطفى بارزاني، أبعاد القائد العسكري الميداني الذي خاض المعارك في جبال كوردستان.
إذ تجسد وجوده كمهندس استراتيجي وفيلسوف للعقيدة القومية الكوردية، وقائد تاريخي استطاع بحنكة فائقة وكاريزما استثنائية أن ينقل الحركة التحررية من أطرها التقليدية الضيقة إلى رحاب الحركة السياسية والدبلوماسية المنظمة ذات الأفق الوطني الشامل.
فعندما تركت المنطقة عرضة للتقسيمات غير العادلة والخرائط الهشة أعقاب انهيار الإمبراطورية العثمانية وإبرام معاهدة لوزان عام 1923 التي ألغت وعود معاهدة سيفر لعام 1920، صاغ الزعيم مصطفى بارزاني عقيدة راسخة تقوم على الحق الأصيل في تقرير المصير، محولاً القضية الكوردية من إشكاليات محلية وتمردات إقليمية متفرقة إلى قضية عادلة ذات بعد إقليمي ودولي لا يمكن تجاوزه.
وتجلت كاريزما القائد مصطفى بارزاني القومية في قدرته الفريدة على توحيد النسيج الاجتماعي الكوردي وتجاوز الانقسامات العشائرية والمناطقية التي طالما استغلتها القوى الإقليمية لشق الصف الكوردي، حيث نجح في مزج الموروث الاجتماعي والروحي الأصيل بالوعي السياسي الحديث، ليصبح رمزاً جامعاً تلتف حوله مختلف أطياف المجتمع.
وعلى الصعيد الدبلوماسي، مثلت رؤية الزعيم مصطفى بارزاني خلال حقبة الحرب الباردة نموذجاً متقدماً للبراغماتية السياسية والفهم العميق للتوازنات الدولية الحساسة.
فعلى الرغم من الاستقطاب الحاد بين المعسكرين الغربي والشرقي، تعامل القائد مصطفى بارزاني مع تلك المعادلة بندية وواقعية سياسية تخدم المصلحة العليا لشعبه، بدءاً من مشاركته المحورية كأعلى قائد عسكري في جمهورية مهاباد عام 1946، وما أعقبها من مسيرة تاريخية شاقة تجسدت في مسيرته الشهيرة نحو الاتحاد السوفيتي مع مئات من رفاقه، وهي المرحلة التي استثمرها بين عامي 1947 و1958 لصقل مهاراته السياسية والعسكرية وتطوير الفكر التنظيمي للحزب الديمقراطي الكردستاني، ليؤسس عند عودته إلى العراق بعد ثورة 14 تموز 1958 نواة صلبة ومنضبطة عرفت تاريخياً بقوات البيشمركة التي أضحت الرمز الأبدي للشجاعة والدفاع عن الوجود الكوردستاني.
وحين تنصل الاتحاد السوفيتي من دعم تطلعات الشعب الكوردي ترسيخاً لمصالحه مع الحكومات المركزية في بغداد، اتخذ الزعيم مصطفى بارزاني قراراً شجاعاً بإعادة توجيه بوصلته الدبلوماسية نحو الانفتاح على المعسكر الغربي والولايات المتحدة والمجتمع الدولي، مؤكداً قدرته الفائقة على قراءة المتغيرات الجيوسياسية بدقة وعدم الارتهان لأيديولوجية واحدة. ورغم التحديات الكبرى والمؤامرات الدولية التي تحيكها المصالح المتقاطعة، لا سيما اتفاقية الجزائر المشؤومة عام 1975 التي وقعت بين شاه إيران والحكومة العراقية والتي وضعت الثورة أمام اختبار قاسي ومؤقت، إلا أن تلك الحقبة وضعت اللبنة الأولى والأرسخ لمسار الدبلوماسية الكردية وشكلت نقطة تحول مفصلية أثبتت أن الإرادة القومية الكوردية عصية على الانكسار النهائي.
وفي العصر الحديث، تضيء عقيدة الزعيم مصطفى بارزاني وإرثه النضالي كمنارة استراتيجية توجه مسار إقليم كوردستان ومؤسساته الدستورية، فالوحدة الوطنية، وحماية استقلالية القرار السياسي، وموازنة العلاقات الدبلوماسية مع القوى الإقليمية والدولية، وربط النضال الوطني بالقيم الديمقراطية والإنسانية، كلها تشكل امتداداً حياً لفلسفته التي مهدت الطريق لانتفاضة عام 1991 وتأسيس أول كيان دستوري وسياسي معترف به لإقليم كوردستان.
وختاماً، فإن القراءة الفلسفية والتحليلية الشاملة لهذا الإرث الخالد تؤكد أن الفكر السياسي والدبلوماسي للزعيم مصطفى بارزاني لم يكن مجرد رد فعل ناتج عن الظروف التاريخية، بل كان مدرسة قائمة بذاتها أرسخت مفاهيم السيادة، والحق التاريخي، والشرعية الدولية، لتستمر عقيدته كركيزة علمية وسياسية غير قابلة للاهتزاز، تجعل من بارزاني روح الأمة والرمز الخالد الذي يحفر اسمه في وجدان أجيال متعاقبة تؤمن بالحرية والسيادة والعيش الكريم.