ب. د. فرست مرعي
كاتب وأستاذ جامعي
الكورد وبغداد في زمن الحرب الأمريكية ـ الإيرانية: شراكة الدولة ومخاطر الصراع الإقليمي
لم تعد العلاقة بين الكورد والحكومة الاتحادية العراقية مسألة داخلية تتعلق بتوزيع الصلاحيات والثروات فحسب، بل أصبحت جزءاً من معادلة إقليمية أكثر تعقيداً، تتداخل فيها مصالح العراق مع التنافس الأمريكي ـ الإيراني، وتداعيات الحروب التي تشهدها المنطقة. وفي ظل اتساع المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يجد إقليم كوردستان نفسه أمام معادلة صعبة: كيف يحافظ على علاقاته الدولية، ويصون خصوصيته الدستورية، ويتجنب في الوقت نفسه التحول إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تتطلب تجاوز المواقف الانفعالية والاصطفافات الحزبية، والنظر إلى العلاقة بين أربيل وبغداد بوصفها شراكة دستورية ينبغي أن تحمي مصالح العراقيين جميعاً، لا أن تتحول إلى أداة للضغط المتبادل كلما تصاعد التوتر في المنطقة.
من الخلافات الداخلية إلى تحديات الأمن الإقليمي
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، اتسمت العلاقة بين الكورد والسلطات المركزية بالتوتر والتفاوض والصراع، نتيجة الخلاف على الحقوق القومية، وطبيعة الحكم، وتوزيع السلطة والثروة. وقد تركت الحروب والصدامات السابقة آثاراً عميقة في الذاكرة السياسية الكردية، ولا سيما أن التجارب التاريخية أظهرت أن تغيّر التحالفات الإقليمية والدولية يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على الأوضاع السياسية والأمنية في كوردستان.
وبعد عام 2003، أتاح النظام الاتحادي الذي أقره الدستور العراقي لعام 2005 إطاراً جديداً للعلاقة بين إقليم كوردستان والحكومة الاتحادية. فقد اعترف الدستور بالإقليم وسلطاته، وأقر مبدأ توزيع الاختصاصات بين الحكومة الاتحادية والأقاليم، ووضع أسساً قانونية لإدارة الدولة على قاعدة الشراكة.
غير أن هذه الشراكة لم تتحول إلى علاقة مستقرة خالية من الأزمات. فالخلافات بشأن الموازنة ورواتب الموظفين والنفط والغاز والمناطق المتنازع عليها وتطبيق المادة 140 من الدستور ظلت عوامل ضغط مستمرة. وفي كثير من الأحيان، تداخلت هذه الملفات مع التنافس الحزبي وموازين القوى داخل بغداد، فأصبحت الحقوق الدستورية عرضة للتجاذبات السياسية.
واليوم، تكتسب هذه الخلافات أهمية إضافية؛ لأن أي ضعف في الثقة بين أربيل وبغداد قد ينعكس على قدرة العراق على مواجهة المخاطر الخارجية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى موقف وطني متماسك يحول دون استغلال الانقسامات الداخلية في الصراع الإقليمي.
الحرب الأمريكية ـ الإيرانية وموقف إقليم كوردستان
أدخلت الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية مع إيران العراق في مرحلة حساسة، إذ لم يعد بإمكان بغداد وأربيل التعامل مع التوتر الإقليمي باعتباره أزمة خارجية بعيدة عن أمنهما ومصالحهما. فقد تعرض إقليم كوردستان لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة خلال الحرب، وأكد رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني، في مقابلة مع قناة الجزيرة في 8 آب 2026، أن الإقليم لا يريد الانخراط في الصراع، وأنه لا يقبل أن يكون طرفاً في أي حرب إقليمية. كما أشار إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية جراء الهجمات المتكررة.
وتكشف هذه التطورات عن مفارقة سياسية وأمنية؛ فإقليم كوردستان يؤكد عدم رغبته في المشاركة في الحرب، لكنه يجد نفسه معرضاً لتداعياتها بسبب موقعه الجغرافي، وعلاقاته بالولايات المتحدة، ووجود قوى سياسية وعسكرية متعددة في العراق، فضلاً عن وجود جماعات معارضة إيرانية في الإقليم. وقد أظهرت هذه الظروف أن إعلان الحياد لا يكفي وحده لتوفير الحماية، ما لم يقترن بتفاهمات إقليمية وضمانات أمنية وسياسة عراقية واضحة.
وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين العلاقات السياسية التي تربط إقليم كوردستان بالولايات المتحدة، وبين المشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران. فالعلاقات الأمريكية ـ الكوردية تطورت على مدى عقود، ولا سيما بعد عام 1991، ثم تعززت في إطار الحرب ضد تنظيم داعش منذ عام 2014. غير أن هذه العلاقات لا تعني بالضرورة أن الإقليم يرغب في أن يكون منصة لشن هجمات على دولة مجاورة.
وقد شددت قيادة الإقليم على رفض استخدام أراضيه لشن هجمات على الدول المجاورة، كما أكدت أنها لا تريد الانحياز إلى قوة دولية ضد دولة إقليمية، أو العكس. وهذا الموقف لا ينبغي تفسيره بوصفه تخلياً عن العلاقات الدولية، بل باعتباره محاولة لحماية المصالح الكردية من نتائج صراع قد تتجاوز أهدافه وقدرات الأطراف المحلية.
ومن الضروري كذلك إدراك أن الحرب لا تؤثر في الأمن العسكري وحده، بل تمتد إلى الاقتصاد والتجارة والاستثمار والطاقة وحركة السكان. وقد أفادت تقارير صحفية في آب 2026 بأن الاضطرابات الإقليمية أثرت بشدة في التجارة بإقليم كوردستان. وإذا استمر التوتر، فإن تداعياته قد تشمل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين، وتراجع الاستثمارات، وتعطيل بعض الأنشطة الاقتصادية، وهو ما يضع المواطن الكردي والعراقي في مقدمة المتضررين من صراع لا يملك قرار إيقافه.
مسؤولية بغداد: السيادة ليست شعاراً
في المقابل، تقع على الحكومة الاتحادية العراقية مسؤولية أساسية في حماية أراضي البلاد وأجوائها، بما فيها إقليم كوردستان. وقد أكد وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين، في مطلع تشرين الأول 2026، أن حماية الإقليم مسؤولية الحكومة الاتحادية إلى جانب مسؤوليات قوات البيشمركة. كما شدد رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني، خلال مؤتمر في بغداد في الأول من الشهر نفسه، على أن السيادة العراقية تعني امتلاك الدولة القرار النهائي في قضايا الحرب والسلم، وتعزيز سلطة المؤسسات الدستورية.
وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن الحديث عن سيادة عراقية كاملة إذا كانت الأراضي والأجواء العراقية معرضة للهجمات، أو إذا كانت قرارات الحرب والسلم تتأثر بحسابات قوى مسلحة لا تخضع بصورة كاملة لقرار الدولة؟
إن السيادة ليست مجرد مطالبة بخروج القوات الأجنبية، على أهمية هذا الملف، وإنما هي قدرة الدولة على حماية مواطنيها، وضبط حدودها، ومنع استخدام أراضيها للاعتداء على الآخرين، واتخاذ القرارات الأمنية والعسكرية عبر مؤسساتها الشرعية. ولذلك، فإن معالجة وجود السلاح خارج إطار الدولة ينبغي أن تكون جزءاً من مشروع وطني شامل، لا حملة انتقائية تستهدف طرفاً وتتغاضى عن آخر.
ومن هذا المنطلق، فإن موقف القيادة الكوردية الداعم لحصر السلاح بيد الدولة يمكن أن يشكل أرضية مشتركة للتفاهم مع بغداد. لكن هذا التفاهم يجب ألا يبقى في إطار التصريحات، بل ينبغي أن يتحول إلى آليات عملية لتبادل المعلومات، وتنسيق الدفاع الجوي، وحماية المنشآت الحيوية، وضمان عدم استخدام الأراضي العراقية في الهجمات العابرة للحدود.
كما أن على الحكومة الاتحادية أن تتعامل مع أمن إقليم كوردستان باعتباره جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني العراقي، بعيداً عن الخلافات المالية والسياسية. فلا يجوز أن تصبح الخلافات بشأن الموازنة أو النفط أو تشكيل الحكومات مبرراً للتقاعس عن حماية المواطنين، تماماً كما لا يجوز أن تتخذ سلطات الإقليم من تلك الخلافات ذريعة لتجاوز المؤسسات الاتحادية أو الاستغناء عن الحوار معها.
هل تتطلب العلاقة بين أربيل وبغداد مراجعة جديدة؟
إن التحولات الإقليمية الراهنة تفرض على الطرفين إعادة تقييم العلاقة بينهما، لا على أساس التنازل عن الحقوق، بل على أساس تحديد المصالح المشتركة وترتيب الأولويات. فإقليم كوردستان يحتاج إلى دولة عراقية قوية وقادرة على حمايته، وبغداد تحتاج إلى شراكة كردية مستقرة تعزز وحدة البلاد وتمنع التدخلات الخارجية من استغلال الخلافات الداخلية.
وتبدأ هذه المراجعة من معالجة الملفات الدستورية العالقة بصورة جدية. فلا يمكن بناء ثقة مستدامة ما دامت الموازنات والرواتب والموارد الطبيعية والمناطق المتنازع عليها ملفات تتكرر أزماتها من دون حلول طويلة الأمد. كما لا يمكن مطالبة الكرد بتعزيز ثقتهم بالمؤسسات الاتحادية إذا ظلت التفاهمات السياسية عرضة للتبدل مع تغير الحكومات والتحالفات.
وفي المقابل، فإن القوى السياسية الكوردية مطالبة بتعزيز وحدتها في القضايا الاستراتيجية، وتجاوز الخلافات الحزبية عندما يتعلق الأمر بأمن الإقليم ومستقبله. فالتعددية السياسية حق مشروع، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى نقطة ضعف في مواجهة المخاطر الخارجية. وكلما كان الموقف الكردي أكثر وضوحاً وتماسكاً، ازدادت قدرته على التفاوض مع بغداد وعلى بناء علاقات متوازنة مع واشنطن وطهران وسائر العواصم الإقليمية.
ولا يعني ذلك أن على الكورد التخلي عن علاقاتهم الدولية أو إغفال تجاربهم التاريخية، بل أن يديروا هذه العلاقات انطلاقاً من أولوياتهم الوطنية، وألا يربطوا أمنهم بمصير سياسة قوة دولية واحدة أو بتوقعات غير مضمونة بشأن نتائج الحروب.
من سياسة تجنب الحرب إلى بناء السلام
إن تجنيب إقليم كوردستان والعراق تداعيات الحرب الأمريكية ـ الإيرانية لا يتحقق بمجرد إعلان الحياد، وإنما يتطلب دبلوماسية فاعلة على المستويين العراقي والكردي. فبغداد تستطيع توظيف علاقاتها مع واشنطن وطهران للتأكيد أن العراق ليس ساحة لتبادل الضربات، فيما يمكن لأربيل أن تستخدم علاقاتها المتعددة للمطالبة باحترام أمن الإقليم وسيادته الدستورية، ورفض استهداف المدنيين والمنشآت الاقتصادية.
ويجب أن يشمل ذلك موقفاً واضحاً من جميع الانتهاكات، أياً كانت الجهة المسؤولة عنها، مع اعتماد الأدلة والتحقيقات المستقلة بدلاً من الاتهامات السياسية المتسرعة. كما ينبغي تعزيز التنسيق بين الجيش العراقي وقوات البيشمركة، وتطوير التعاون في حماية الحدود والمجال الجوي، وتفعيل القنوات الدبلوماسية لمنع التصعيد ومعالجة الحوادث قبل تحولها إلى مواجهة أوسع.
ومن المهم أيضاً ألا تتحول معاناة السكان إلى أرقام عابرة في الأخبار. فالأمن الحقيقي يعني أن يعيش المواطن في أربيل والسليمانية ودهوك وكركوك وبقية المدن العراقية من دون خوف من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وأن يتمكن من العمل والاستثمار والتعليم والتنقل في بيئة مستقرة. وهذه مسؤولية مشتركة لا يمكن لأي طرف أن ينهض بها منفرداً.
خاتمة
إن العلاقة بين الكورد والحكومة العراقية تقف أمام اختبار يتجاوز الخلافات التقليدية بشأن السلطة والثروة. فالحرب الأمريكية ـ الإيرانية تضع الطرفين أمام خيارين: إما استمرار إدارة الخلافات بمنطق المصالح الحزبية الضيقة، بما يفتح المجال أمام مزيد من التدخلات والضغوط الخارجية، وإما تحويل الأزمة إلى فرصة لبناء شراكة دستورية وأمنية أكثر رسوخاً.
ولا مصلحة للكرد في أن يصبحوا وقوداً لحرب الآخرين، كما لا مصلحة للعراق في أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية. وفي الوقت نفسه، لا يمكن تحقيق الاستقرار عبر تجاهل التزامات الدولة الاتحادية أو التعامل مع إقليم كوردستان باعتباره ملفاً سياسياً ثانوياً.
إن المطلوب هو عراق يحترم دستوره، ويحتكر القرار الشرعي في الحرب والسلم، ويحمي جميع مكوناته ومناطقه، وإقليم كوردستان يشارك بفاعلية في بناء هذا العراق من دون التفريط بحقوقه الدستورية أو خصوصيته السياسية. فالشراكة الحقيقية لا تعني أن يتخلى أحد الطرفين عن مصالحه، بل أن يدرك كلاهما أن أمنه واستقراره يرتبطان بأمن الآخر.