الإمام محمد عبده رائد النهضة كيف أغفلت الدراما المصرية جذوره الكوردية .. وهل تنصفه مبادرات التعاون الكوردي المصري دراميا ؟!

الإمام محمد عبده رائد النهضة كيف أغفلت الدراما المصرية جذوره الكوردية .. وهل تنصفه مبادرات التعاون الكوردي المصري دراميا ؟!
الإمام محمد عبده رائد النهضة كيف أغفلت الدراما المصرية جذوره الكوردية .. وهل تنصفه مبادرات التعاون الكوردي المصري دراميا ؟!

لم تنصف الدراما المصرية الإمام الشيخ محمد عبده، أحد أبرز رموز النهضة الفكرية والإصلاح الديني في العالم الإسلامي، حين تناولت سيرته في أكثر من عمل تلفزيوني، واكتفت في معظم الأحيان برصد مسيرته العلمية والسياسية ومشروعه التنويري، دون أن تتوقف أمام جذوره التاريخية والعائلية، وما تطرحه بعض المراجع المتخصصة من روايات عن أصوله الكوردية. وهي مسألة لا تبدو تفصيلًا عابرًا في سيرة رجل ارتبط اسمه بتاريخ مصر والنهضة العربية والإسلامية، بل تمثل جانبًا من هويته التاريخية يستحق البحث والتوثيق والإنصاف.

فالإمام محمد عبده، الذي عاش بين عامي 1849 و1905، لم يكن مجرد عالم أزهري أو مفتي الديار المصرية، وإنما كان فقيهًا ومفسرًا ومفكرًا وصحفيًا ومصلحًا، سعى إلى تجديد الفكر الديني، ومقاومة الجمود، وإعادة الاعتبار إلى العقل والاجتهاد.  وقد تجاوز تأثيره حدود مصر، ليصبح أحد أبرز رموز الإصلاح في العالم الإسلامي الحديث.

لكن خلف هذه الشخصية المصرية التي صنعت مكانتها في تاريخ النهضة، تقف رواية تاريخية عن جذور كردية لأسرة الإمام، تستند إلى مراجع معروفة في توثيق التاريخ الكوردي وأعلامه، وفي مقدمتها كتاب “مشاهير الكورد وكوردستان في العهد الإسلامي” للمؤرخ محمد أمين زكي، وكتاب “أعلام الكورد” للمؤرخ العراقي مير بصري.

وتكتسب هذه الرواية أهميتها من أن محمد أمين زكي، الذي يعد من أبرز المؤرخين الذين اشتغلوا على تدوين التاريخ الكوردي، أدرج محمد عبده ضمن الشخصيات التي تناولها في كتابه “مشاهير الكورد وكردستان”، ونسبه إلى الأصول الكوردية. ولم يقتصر حضور هذه الرواية على كتاب زكي، إذ عاد مير بصري إلى تناولها في كتابه “أعلام الكورد”، وتحديدًا في الصفحة 86، مشيرًا إلى الاختلاف في تحديد أصول الإمام، ومقارنًا بين رواية زكي وما أورده خير الدين الزركلي في موسوعته “الأعلام”.

والأهم هنا أن مير بصري لم يغفل الرواية الأخرى، إذ أشار إلى أن الزركلي نسب محمد عبده إلى آل التركماني، بينما أدرجه محمد أمين زكي بين مشاهير الكورد. وهذا الاختلاف لا ينبغي إخفاؤه أو تجاوزه، بل يستوجب تحقيقًا تاريخيًا أوسع في أصول أسرة خير الله، والعودة إلى الوثائق والمصادر العائلية والسجلات القديمة، للوصول إلى صورة أكثر دقة.

وتؤكد هذه المراجع، على الأقل، أن النسب الكوردي لمحمد عبده ليس ادعاءً مستحدثًا أو مجرد تداول صحفي، وإنما رواية وردت في أدبيات تاريخ الكورد، وإن كانت لا تزال بحاجة إلى مزيد من التحقيق والمقارنة مع الروايات الأخرى.

ولد محمد عبده في قرية محلة نصر التابعة لمركز شبراخيت بمحافظة البحيرة عام 1849، ونشأ في البيئة الريفية المصرية، وتلقى تعليمه الأولي قبل انتقاله إلى الجامع الأحمدي بطنطا، ثم إلى الأزهر بالقاهرة عام 1866. ومن المهم هنا التمييز بين موطن الميلاد والنشأة من ناحية، والأصل العائلي من ناحية أخرى؛ فكونه مصري المولد والنشأة لا يتعارض مع احتمال امتداد جذور أسرته إلى كردستان.

واسمه المعروف في كتب التراجم هو محمد عبده بن حسن خير الله، وليس من الدقة التعامل مع وصف “الكوردي” باعتباره جزءًا ثابتًا من اسمه الرسمي، وإنما هي نسبة أوردتها مصادر تاريخية. وفي المقابل، يذكر الزركلي في كتابه “الأعلام” محمد عبده بن حسن خير الله، وينسبه إلى آل التركماني.

ولا يقلل هذا الاختلاف من أهمية الرواية الكوردية التي أوردها محمد أمين زكي وتناولها مير بصري، بل يجعلها قضية تستحق مزيدًا من البحث والتوثيق، خصوصًا أن تحديد الأصل العائلي يحتاج إلى الرجوع إلى وثائق الأنساب والسجلات القديمة، وليس الاكتفاء بتكرار ما ورد في كتب التراجم.

الدراما المصرية.. حضور الشخصية وغياب الجذور

المفارقة أن الدراما المصرية اهتمت بشخصية الإمام محمد عبده أكثر من مرة، لكنها لم تمنح جذوره العائلية ما تستحقه من اهتمام، رغم أن تناول السيرة الذاتية لشخصية بهذا الحجم يفترض ألا يقتصر على المحطات العامة في حياتها، بل يمتد إلى تكوينها الاجتماعي والتاريخي.

ففي عام 1985 قدم التلفزيون المصري مسلسل “الإمام محمد عبده”، وكان من أوائل الأعمال الدرامية التي تناولت سيرته بصورة مستقلة. أخرجه سعيد عبد الله، وكتب السيناريو والحوار مصطفى بركات، بينما تولى الكاتب ثروت أباظة إعداد المادة التاريخية، وجسد الفنان أشرف عبد الغفور شخصية الإمام، بمشاركة صلاح قابيل وتهاني راشد وأحمد ماهر وإبراهيم يسري وفاطمة مظهر. ورغم أهمية التجربة في تقديم شخصية إصلاحية وفكرية للجمهور، فإنها لم تتوقف عند الروايات المتعلقة بأصول أسرته الكوردية.

وتكرر الأمر في مسلسل “الإمام محمد عبده” الذي قدم عام 2005، وأخرجه شكري أبو عميرة، وكتب قصته وسيناريوه وحواره عايد الرباط، مع تولي المؤرخ يونان لبيب رزق المراجعة التاريخية. وجسد أحمد عبد العزيز شخصية الإمام، وشاركه البطولة وفاء عامر وعفاف شعيب وطارق لطفي ومنى عبد الغني وأحمد خليل وأشرف عبد الغفور.

وقد تناول العمل نشأة الإمام ورحلته العلمية والفكرية، واهتم بإبراز علاقته بالأزهر وبمشروع التجديد الديني، لكنه لم يجعل أصول الأسرة والجذور الكوردية محورًا واضحًا في بناء الشخصية، رغم أن وجود مراجعة تاريخية للعمل كان يمكن أن يفتح المجال أمام استقصاء هذه المسألة.

ولم يقتصر حضور محمد عبده على المسلسلات التي حملت اسمه، فقد جسد الفنان توفيق عبد الحميد شخصيته في مسلسل “قاسم أمين” عام 2002، الذي أخرجته إنعام محمد علي، وكتبه محمد السيد عيد، وشارك فيه كمال أبو رية وجمال عبد الناصر.  وظهر الإمام ضمن سياق الأحداث التي تناولت حياة المفكر قاسم أمين ومشروعه النهضوي، دون التوسع في خلفيته العائلية.

كما عاد الفنان أشرف عبد الغفور إلى تجسيد الشخصية في مسلسل “مصر الجديدة” عام 2004، الذي أخرجه محمد فاضل وكتبه يسري الجندي، وتناول سيرة هدى شعراوي ونضالها الوطني والنسائي.  وظهر محمد عبده في العمل ضيف شرف، إلى جانب عدد من الشخصيات التاريخية التي ارتبطت بتلك المرحلة.

سيرة تستحق قراءة جديدة

السؤال الذي تطرحه هذه الأعمال ليس متعلقًا فقط بما غاب عنها، وإنما بكيفية تقديم الشخصيات التاريخية في الدراما المصرية. فالسيرة الحقيقية لا تكتمل بمجرد استعراض المناصب والمواقف السياسية والإنجازات الفكرية، وإنما تحتاج إلى قراءة الجذور العائلية والاجتماعية والثقافية التي أسهمت في تشكيل الشخصية.

ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى تقديم عمل درامي جديد عن الإمام محمد عبده، يستند إلى بحث تاريخي جاد، ويستعين بمؤرخين وباحثين مصريين وأكراد، لمراجعة الوثائق والمراجع، والتحقيق في أصول أسرة خير الله، وإبراز الرواية الكوردية التي أثبتها محمد أمين زكي وتناولها مير بصري، مع عرض الاختلاف الذي أورده الزركلي بأمانة علمية.

إن الحديث عن جذور محمد عبده الكوردية لا ينتقص من مصريته، ولا ينازع مصر حقها في الاعتزاز بأحد أهم أبنائها الذين صنعوا نهضتها الفكرية، بل يضيف إلى سيرته بعدًا تاريخيًا وثقافيًا، ويكشف عن جانب من التداخل الحضاري الذي عرفته المنطقة عبر قرون.

فالإمام الذي احتضنت مصر علمه وفكره، وأسهم في تشكيل وجدانها التنويري، يستحق أن تروى سيرته كاملة، وأن تتسع الدراما المصرية لرؤية أكثر شمولًا لشخصيته، لا تتوقف عند ما حققه، وإنما تبحث أيضًا في الجذور التي انطلقت منها أسرته.

إن إنصاف الإمام محمد عبده لا يكون بتقديمه مرة جديدة على الشاشة فحسب، وإنما بتقديم سيرته كما تسمح بها الوثائق والمراجع، دون إغفال رواية جذوره الكوردية أو تحويلها إلى حقيقة محسومة قبل استكمال التحقيق فيها.