فواز الطيب
كاتب
بين حبر الموازنات وجفاف الاستحقاقات.. تدوير الأزمات المالية يخنق الشراكة بين بغداد وأربيل
تمثل الأزمة المالية المتصاعدة بين بغداد وأربيل نموذجاً صارخاً لسياسة تدوير المشاكل التي اتبعتها الحكومات الاتحادية المتعاقبة، حيث تحولت حقوق إقليم كوردستان الدستورية إلى ورقة ضغط سياسية مستمرة بدلاً من أن تكون أساساً لشراكة وطنية حقيقية ، وتشير الأرقام الرسمية إلى فجوة هائلة بين ما تتضمنه قوانين الميزانية من مخصصات نظرية تصل إلى 146 تريليون دينار، وما يصل فعلياً إلى الإقليم والذي لم يتجاوز 41 تريليون دينار على مدى اثني عشر عاماً، وهو ما أسفر عن تغطية 46 راتباً فقط من أصل 144 شهراً، مخلفاً أزمات معيشية خانقة طالت حياة المواطنين والموظفين بشكل مباشر دون حلول جذرية تنهي هذه المعاناة الإنسانية .
ولا تقتصر إشكالية هذه السياسات على لغة الأرقام والجداول المحاسبية المعقدة أو التباين المستمر في احتساب النفقات السيادية وتجاهل النتائج الرسمية للتعداد السكاني لعام 2024 الذي أثبت أن نسبة سكان الإقليم تبلغ 14.14%، بل تكمن في الاعتبارات والضغوط غير المعلنة التي تسوف الحلول وتحصر العلاقة في دائرة الاختناق المالي . إن هذا النهج المتبع يعكس إلقاء ظلال التبعية السياسية والحسابات الضيقة على مسار العلاقات بين الجانبين، متجاهلاً أن استقرار إقليم كوردستان وازدهاره هو جزء لا يتجزأ من استقرار العراق ككل، وأن خنق اقتصاده لا يحقق أي مصلحة وطنية عليا بل يكرس حالة من عدم الاستقرار المؤسسي والسياسي .
إن استمرار هذه المماطلة وتفريغ الموازنات الاتحادية من محتواها العادل يلحقان أضراراً بالغة بمصلحة العراق وإقليم كوردستان على حد سواء، إذ يولدان المزيد من الاحتقان الشعبي المتراكم ويضعفان ثقة المواطن بجدوى السياسات الحكومية والشعارات الإصلاحية ، فعندما يشعر قطاع واسع من الشعب بأنه محروم من أبسط مقومات العيش الكريم بسبب الخلافات السياسية، فإن ذلك يؤدي حتماً إلى شرخ عميق في النسيج الوطني ويغذي شعوراً بالغبن والتهميش يصعب ترقيعه لاحقاً بالوعود الوقتية أو الحلول الترقيعية التي لا تعدو كونها مسكنات مؤقتة تنفجر لاحقاً بصورة أزمات أعمق وأكثر تعقيداً .
لم تعد المعالجات التقليدية كافية في ظل منطقة ملتهبة وتحديات إقليمية ومحلية متسارعة تفرض على الجميع التحلي بروح المسؤولية الوطنية العليا والابتعاد عن لغة الضغوط والمكايدات السياسية. إن الانتقال نحو حلول جذرية ومنصفة تستند إلى الدستور والشراكة الحقيقية أصبح واجباً مرحلياً ملزماً، وإلا فإن استمرار هذا النهج العقيم سيقود الطرفين نحو نفق مظلم يصعب الخروج منه، مما يهدد الاستقرار العام ويجعل الاقتصاد الوطني عرضة لهزات إضافية تعرض مصير ومستقبل الأجيال القادمة لخطر حقيقي لا تحمد عقباه .