صولة الفجر.. تفكيك دولة الفساد دون إسقاط هيكل النظام

أربيل (كوردستان24)- يواجه العراق حالياً واحدة من أكثر اللحظات السياسية والقضائية حرجاً في تاريخه الحديث، حيث تتصاعد وتيرة حملة "صولة الفجر" لمكافحة الفساد، وسط كشف أرقام "فلكية" للأموال المنهوبة، وتحديات سياسية تهدد استقرار حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي التي لم تكمل شهرها الثاني بعد.

توسعت العمليات الأمنية والتحقيقات القضائية لتشمل برلمانيين حاليين ومسؤولين سابقين وحاليين في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب (ميسان، ذي قار، وغيرها). وأكدت هيئة النزاهة الاتحادية أن الحملة لن تتوقف حتى "الإطاحة بكبار الفاسدين".

وفي بيان مشترك، كشف رئيس هيئة النزاهة محمد علي اللامي، ورئيس جهاز الأمن الوطني باسم البدري، عن تنسيق عالي المستوى أدى لضبط مليارات الدنانير وعمليات ابتزاز كانت تُمارس ضد المواطنين. 

وتؤكد المصادر الحكومية أن المداهمات تجري بشكل "سري ومباغت" لمنع المتهمين من الفرار، مع رصد مبالغ ضخمة وعقارات فارهة مسجلة بأسماء ذوي المسؤولين.

بدوره فجّر القاضي منير حداد، المستشار القانوني لرئيس الوزراء، مفاجأة من العيار الثقيل حين أعلن أن حجم الأموال المنهوبة تجاوز حاجز 2 تريليون دولار، وهو رقم وصفه بأنه "يفوق العقل والمنطق".

 

أبرز ما كشفه حداد:

محاكمات علنية: ستكون محاكمات الفاسدين مفتوحة للجمهور عبر بث مباشر، على غرار محاكمات رموز النظام السابق.

تعاون مع أربيل: سلمت سلطات إقليم كوردستان 8 مسؤولين متهمين هربوا إلى الإقليم، في إشارة إلى تنسيق غير مسبوق بين بغداد وأربيل.

استهداف القوى السياسية: العقاب لن يقتصر على الأفراد، بل سيطال الكتل السياسية التي "مررت" هؤلاء الفاسدين إلى مناصب الدولة.

 

وأثار الحديث عن إمكانية إجراء تسويات قانونية (إعادة الأموال مقابل تخفيف العقوبة) لغطاً قانونياً. وفي هذا الصدد، يرى الخبير القانوني الدكتور سيف السعدي أن قانون العفو العام (رقم 27 لسنة 2016) لا ينطبق على الجرائم الحالية، مؤكداً أن الإفراج بكفالة لا يعفي المتهم من المسؤولية الجزائية ما لم يوجد نص قانوني صريح يتيح التسوية، وهو ما يضع "الإطار التنسيقي" والحكومة أمام اختبار حقيقي لمصداقيتهم.

ورغم نيلها الثقة في مايو (أيار) الماضي، لا تزال حكومة علي الزيدي تراوح في "مربع الانتظار" مع بقاء 10 حقائب وزارية شاغرة، أهمها الدفاع والداخلية. ويرى مراقبون أن الزيدي يسعى للتحول من "مدير تسوية" بين الكتل الشيعية إلى "رجل دولة" يمتلك زمام المبادرة.

 

وتترقب الأوساط السياسية زيارة الزيدي المرتقبة إلى واشنطن منتصف يوليو الجاري، والتي تُعد "اختبار سيادة" في ظل معطيات إقليمية ودولية معقدة:

رؤية "ترمب" الجديدة: تشير التقارير إلى توجه إدارة الرئيس ترمب (عبر مبعوثه توم برّاك) لتقوية مؤسسات الدولة العراقية "تقنياً وآيديولوجياً" كبديل للمواجهة العسكرية مع الفصائل.

المشاريع الإقليمية: تبرز طموحات لإعادة إحياء خط "كركوك – بانياس" النفطي وتصفير الأزمات مع أربيل لتقليل الاعتماد على الممرات المائية المضطربة (مضيق هرمز).

داخلياً، ترزح الدولة تحت ثقل "الريع النفطي"، حيث تلتزم الحكومة بتأمين رواتب نحو 5 ملايين موظف. أي تعثر في الصادرات النفطية قد يؤدي إلى انفجار اجتماعي.

أما المعضلة الكبرى فتكمن في "مأسسة" الفصائل المسلحة (الحشد الشعبي، كتائب حزب الله، النجباء)، التي يقدر عدد عناصرها بـ 300 ألف فرد، مدمجين في مفاصل الدولة الاقتصادية والإدارية، مما يجعل أي محاولة لنزع السلاح أو الإصلاح الجذري تصطدم بمصالح فئات واسعة من المجتمع العراقي.

ختاماً، بين "تريليوني دولار" منهوبة، وحملة "صولة الفجر" القضائية، وزيارة واشنطن الحاسمة، يقف علي الزيدي أمام "مهمة مستحيلة" لإعادة المصداقية للدولة العراقية في بيئة إقليمية مشتعلة وصراعات نفوذ دولية لا تنتهي. هل ستكون هذه الحملة بداية النهاية لإمبراطوريات الفساد، أم مجرد جولة أخرى من صراع الأجنحة؟ الإجابة قد تحملها الأيام القادمة تحت قبة المحكمة الافتراضية "العلنية".