جبل "گۆیژە" يشتعل مجدداً.. إهمال سياحي يعمق جراح السليمانية البيئية

أربيل (كوردستان24)- لم يكن المشهد الذي استيقظت عليه مدينة السليمانية عادياً؛ فرئتها الخضراء ورمز هويتها، جبل "گۆیژە"، اتشح بالسواد مجدداً بعد حريق هائل التهم مساحات واسعة من غاباته. هذه الكارثة المتكررة سنوياً فتحت باب التساؤلات على مصراعيه حول أسباب اندلاع النيران، ومسؤولية المواطن، والعجز الحكومي في توفير متطلبات الحماية والإنقاذ، وهو ما سلطت كوردستان 24 الضوء عليه في تغطية خاصة.

إجراءات أمنية صارمة لتدارك الموقف

عقب السيطرة الكاملة على النيران بجهود مضنية من فرق الدفاع المدني وشرطة الغابات، سارعت قائممقامية السليمانية واللجنة الأمنية لفرض حزمة من القرارات الحازمة. وشملت الإجراءات الإغلاق التام لطرق الصعود إلى جبلي كويزة وأزمر أمام المواطنين والسياح بعد الساعة 11 ليلاً، فضلاً عن منع الشواء واستخدام "النارجيلة" في المناطق الحرجية، وإغلاق الأكشاك المجاورة للأشجار خلال الأيام التي تشهد رياحاً قوية، في محاولة للحد من مسببات الحرائق التي غالباً ما تترافق مع الإهمال السياحي.

في هذا السياق، أكد العميد هوشيار أحمد، مدير شرطة الغابات في السليمانية، أن التحقيقات الأولية تشير إلى أن الحريق ناجم عن إهمال بشري، قائلاً: "فرقنا تعمل على مدار الساعة، لكن لا يمكن للشرطة أن تتواجد في كل متر، الحماية الحقيقية تبدأ من وعي المواطن".

صدمة الكوادر.. عامل واحد لحراسة جبل كامل!

التحدي الأكبر الذي تواجهه الجهات المعنية لا يقتصر على نيران الطبيعة، بل يمتد إلى نيران الأزمات المالية والإدارية. وفي تصريح صادم، كشف مدير الغابات والمراعي في السليمانية، آوارة أحمد، أن الجبل الذي تبلغ مساحته آلاف الدونمات، يُدار حالياً من قبل "عامل واحد فقط"، بعد أن كان الملاك يضم نحو 300 عامل في السنوات الماضية.

وأضاف أحمد: "نعاني من انعدام الميزانية المخصصة للتنظيف وإنشاء العوازل الترابية، ورغم ذلك، قمنا بما نملك من آليات بسيطة بشق بعض خطوط النار (العوازل) التي لولاها لكانت الكارثة أكبر بكثير وامتدت النيران لمناطق أوسع".

غياب التخطيط والزحف الخرساني

من جانبه، انتقد الباحث والإعلامي البيئي، سان سرفان، سياسات إدارة الغابات، مشيراً إلى غياب استراتيجية شاملة لحماية جبال السليمانية.

ولم يخلُ حديث سرفان من مفارقة مؤلمة حين تساءل: "لماذا تحترق الغابات والأشجار بشكل متكرر، بينما المشاريع الاستثمارية والكتل الخرسانية الزاحفة على سفوح الجبال تبقى آمنة ولا تقترب منها النيران؟!".


كما طالب بضرورة انتقال إقليم كوردستان من مرحلة الإطفاء البدائي باستخدام (الأغصان والبطانيات) إلى توفير مروحيات مخصصة لإطفاء حرائق الجبال ذات التضاريس الوعرة.

خارطة طريق علمية لتعافي الجبل

أمام مشهد الرماد، تبدو الرغبة المجتمعية عارمة في إعادة تشجير الجبل فوراً، إلا أن الخبراء لهم رأي آخر. الدكتور علي عثمان، عضو البورد العلمي لتخضير الجبل، أكد أن الخطوة الأولى علمياً يجب أن تكون "إزالة بقايا الحريق وتنظيف التربة بشكل كامل، وليس الاستعجال العاطفي بالزراعة".

ووضع د. عثمان خارطة طريق لإعادة الإحياء، مشدداً على ضرورة اختيار أصناف أشجار محلية (كالبلوط والبطم) التي تتحمل الجفاف وتقاوم النيران، والتخلي عن زراعة أشجار الصنوبر سريعة الاشتعال التي تساهم في تفاقم الحرائق. وأشار إلى أن التوقيت العلمي الأنسب للبدء بحملات التشجير هو فصل الخريف القادم، لضمان نسب نجاح أعلى للشتلات الجديدة.

بين الإهمال السياحي لبعض الزائرين، وضعف التمويل والكوادر، وغياب التقنيات الحديثة للمكافحة، يدفع جبل "كويزة" ثمن غياب الرؤية المتكاملة لحمايته. ويبقى التحدي الأهم أمام إدارة محافظة السليمانية والمواطنين هو تحويل هذه الكارثة إلى نقطة انطلاق حقيقية لخلق وعي بيئي صارم، وتوفير تخصيصات طارئة لحماية ما تبقى من الوجه الأخضر للمدينة.