العم عيدو.. سبعيني إيزيدي أطفأ البكاءُ عينه ولم تطفئ السنون جراحه

أربيل (كوردستان24)- بين جدران الخيام البالية التي نخرها الزمن، وتحت وطأة نزوح طال أمده، لا تزال قصص الفاجعة الإيزيدية تتكشف فصلاً بعد آخر. 12 عاماً مرت على الإبادة الجماعية، لكن الجراح في مخيمات النزوح لا تزال نازفة، والقصص التي ترويها الوجوه المتعبة تهزُّ الضمائر قبل الأسماع.

في إحدى زوايا المخيم المنسية، يقبع "العم عيدو"، السبعيني الذي يحمل في تجاعيد وجهه تاريخاً من الألم والقهر. لم تكن رحلته مجرد نزوح، بل كانت رحلة في غياهب الموت والوحشية تحت سيرة تنظيم "داعش" الإرهابي.

يستذكر العم عيدو بدايات المأساة في آب/أغسطس 2014 قائلاً: "اقتادونا من قريتنا (تل بنات) إلى (كوجو)، ومنها إلى (قزل قيو)، حتى انتهى بنا المطاف في غابات الموصل. كانت أياماً تفوق قدرة البشر على الاحتمال".

بصوتٍ متهدج، يروي العم عيدو أصعب اللحظات التي عاشها، مؤكداً أن الجوع والضرب لم يكن الأشد إيلاماً، بل كان فصل النساء والفتيات عن ذويهن. ويضيف: "كانوا يجمعون الفتيات والنساء ويقتادونهن أمام أعيننا لبيعهن. كانت الفتاة تُباع بـ 300 دولار فقط. كان صراخهن يمزق القلوب، ولم نكن نملك سوى البكاء".

هذا البكاء المرير الذي استمر لسنوات، لم يترك أثراً في النفس فحسب، بل امتد ليفقد العم عيدو جزءاً كبيراً من بصره. يقول: "بكينا حتى جفت الدموع في مآقينا، ومن كثرة البكاء على ما حلَّ بنا، تضرر بصري وساءت رؤيتي إلى حدٍ كبير".

لا تتوقف معاناة العم عيدو عند ذكريات الأسر؛ فهو يواجه اليوم تحدياً مضاعفاً يتمثل في إعاقة جسدية تجعل من حياته داخل خيمته البالية صراعاً يومياً من أجل البقاء. فالمخيم الذي كان يُفترض أن يكون محطة مؤقتة، صار سجناً جديداً لجسده الناحل وروحه المثقلة بالهموم.

وعن لحظات التحرر، يوضح العم عيدو: "عندما أُفرج عنا في 17 يناير/كانون الثاني، خرجنا محطمين. لم نكن نملك شيئاً، ولا حتى القدرة على الحديث مع بعضنا البعض. لقد كنا نشهد الموت في كل لحظة بسبب العذاب والمعاناة التي عشناها".

اليوم، يعيش العم عيدو حالة من العجز والحزن العميق، وهو يمثل حال آلاف الإيزيديين الذين لا يزالون ينتظرون إنصافاً لم يأتِ، وعودةً إلى ديارهم التي دمرتها الحرب، وجراحاً عجزت السنوات الاثنتا عشرة عن مداواتها.

تبقى قصة "العم عيدو" شاهداً حياً على واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية في العصر الحديث، وتذكيراً بأن الإبادة لا تنتهي بانتهاء المعارك، بل تستمر في عيون الضحايا وظروف عيشهم القاسية تحت الخيام.