مستقبل الحروب الجوية: أسراب ذاتية القيادة ومقاتلات شبحية تقود صراع القوى العظمى
أربيل (كوردستان 24)- كشفت تقارير متخصصة في شؤون الدفاع، عن تحول جذري في عقيدة القتال الجوي العالمي، حيث تتجه القوى الكبرى نحو استبدال المفهوم التقليدي للمعارك الجوية بطائرات "شبحية" مسيرة تعمل كـ "مساعد طيار" رقمي، مما يعيد رسم خارطة الإنفاق العسكري الذي يُقدر بعشرات المليارات من الدولارات.
وتشير التطورات التقنية المتسارعة إلى أن زمن البطولات الفردية في قمرات القيادة، الذي جسدته أفلام مثل "توب غان"، يتلاشى لصالح جيل جديد من "طائرات القتال التعاوني" (Collaborative Combat Aircraft) المعروفة اختصاراً بـ (CCA). هذه الطائرات، بأسماء مهيبة مثل "غوست بات" و"فاليري" و"فوري"، ليست مجرد طائرات مسيرة رخيصة الثمن كتلك المستخدمة في صراعات الشرق الأوسط، بل هي منصات متطورة ومسلحة بقدرات عالية تعمل بتناغم مع المقاتلات التقليدية أو تنفذ دوريات مستقلة.

وذكر الرئيس التنفيذي لشركة "بي أي إي سيستمز"، تشارلز وودبيرن، أن المهام المنوطة بهذه الطائرات تتنوع بين مرافقة المقاتلات المأهولة أو العمل كـ "حارس" دائم في السماء لرصد وتدمير المسيرات المعادية فور ظهورها. هذا التحول يعني أن دور الطيار سيتغير من "مقاتل مباشر" إلى "قائد مهمة" يدير أسطولاً من الأنظمة الذكية، وفقاً لما أوضحه بيتر نيلسون، مدير البرامج المتقدمة في شركة "ساب" السويدية.
وعلى صعيد التكلفة والقدرات، تضع هذه التكنولوجيا دول العالم أمام تحديات مالية هائلة. فالمقاتلة الأمريكية من الجيل السادس "إف-47"، التي تطورها شركة بوينغ ضمن مبادرة "هيمنة الجيل القادم"، قد تصل تكلفتها إلى ما بين 200 و300 مليون دولار للطائرة الواحدة، وهو ما يعادل ثلاثة أضعاف تكلفة المقاتلة "إف-35". ومع إضافة أسراب من الطائرات المسيرة ذاتية القيادة التي تتراوح تكلفة الواحدة منها بين 20 و40 مليون دولار، يرى الخبير في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، دوغلاس باري، أن دولتين فقط في العالم هما من سيمتلكان القدرة المالية على دخول هذا السباق؛ الولايات المتحدة والصين.
هذه الفجوة المالية دفعت "القوى المتوسطة" إلى البحث عن بدائل لضمان عدم تخلفها عن الركب. وبينما تواصل دول تشغيل مقاتلات الجيل الرابع والخامس مثل "يوروفايتر تايفون" بعد تزويدها بأنظمة رادار وأسلحة متطورة، اتجهت دول أخرى لبناء تحالفات استراتيجية. ومن أبرز هذه التحالفات "برنامج القتال الجوي العالمي" (GCAP) الذي يضم المملكة المتحدة وإيطاليا واليابان، ويهدف إلى تطوير مقاتلة "تيمبست" لتكون بديلاً للأنظمة الأمريكية.

وفي المقابل، يواجه "نظام القتال الجوي المستقبلي" (FCAS) الذي يضم فرنسا وألمانيا وإسبانيا تحديات داخلية. فقد دعا الرئيس التنفيذي لشركة "داسو" الفرنسية، إريك ترابييه، إلى التحرك السريع لتطوير نموذج تجريبي تقوده فرنسا لتجنب "فرض التطورات الأمريكية" على أوروبا، وذلك بعد تعثر التعاون مع "أيرباص" الألمانية. وأكد ترابييه أن التنبؤ بشكل الحرب بعد 40 عاماً أمر صعب، لكن التوقف عن الفعل يعني الخروج من دائرة التأثير السيادي.
وتعد المقاتلة الصينية "جي-36"، التي تصفها أجهزة الاستخبارات الغربية بأنها رد بكين على الجيل السادس، جزءاً من سباق تسلح محموم يهدف إلى السيطرة على الأجواء، خاصة في مناطق التوتر الاستراتيجي. وفي المقابل، انضمت كندا بصفة "مراقب" إلى برنامج (GCAP) لتقليل اعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية في ظل تقلبات العلاقات السياسية الدولية.
من الناحية التقنية، ستتحول المقاتلات المستقبلية إلى مراكز معالجة بيانات طائرة. ويصف إليوت بينس، الرئيس التنفيذي لشركة "دومينيون دايناميكس"، هذه الطائرات بأنها ستكون "شبحية بما يكفي للبقاء، وبعيدة المدى بما يكفي لتكون مفيدة، وغنية بالمستشعرات لفهم ساحة المعركة، ومرتبطة بشبكات تتيح لها توجيه الأصول الأقل تكلفة". وستلعب المستشعرات، كما هو الحال في "إف-35"، دوراً حاسماً في "امتصاص" بيانات ساحة المعركة وتقديم صورة كاملة للقائد البشري.

وعلى الرغم من هذا الاندفاع نحو الذكاء الاصطناعي، تظل هناك شكوك حول الفعالية المطلقة لهذه الأنظمة. إذ يرى جاستن برونك، الباحث في معهد "روسي" البريطاني، أن تشغيل أسطول كبير من الطائرات التعاونية يتطلب موارد مالية وبشرية ضخمة للصيانة، وقد يكون توجيه هذه الموارد لشراء أسلحة وأنظمة تضليل للمقاتلات المأهولة أكثر فعالية في بعض السيناريوهات. كما تظهر التجارب الميدانية الأخيرة في أوكرانيا وأماكن أخرى أن السيطرة الجوية المطلقة لا تترجم دائماً إلى نصر حاسم، خاصة مع تطور أنظمة الدفاع الجوي والحرب الإلكترونية.
وفي نهاية المطاف، يبدو أن "العامل البشري" سيظل جوهرياً في الجيل القادم من الحروب. ويؤكد قائد سلاح الجو الألماني، هولغر نيومان، أن الآلات تتفوق في معالجة البيانات، لكن "الحدس، والسيطرة على التصعيد، ومعرفة متى يجب التراجع أو الهجوم" هي صفات إنسانية عميقة لا يمكن استبدالها ببرمجيات، خاصة عند انقطاع الاتصالات عبر الأقمار الصناعية في خضم المعارك.
هذا المزيج بين الطيار البشري و"أسراب المسيرات الذكية" سيعيد صياغة مفهوم السيادة الجوية لعقود قادمة، ما يجعل مستقبل القتال الجوي لا يعتمد فقط على سرعة الطائرة أو قوة نيرانها، بل على قدرة "الذكاء الرقمي" و"الحدس البشري" على العمل معاً في بيئة معقدة وشديدة العدائية.
المصدر: صحیفة Financial Times - عدد الیوم الاربعاء 5 آب/ اغسطس 2026