العراق بين ناري التغير المناخي والفساد الإداري.. جفاف يلتهم الأخضر واليابس وتهديد لـ 92% من الأراضي
أربيل (كوردستان24)- في الوقت الذي سجلت فيه الكرة الأرضية أشد أشهر تموز/يوليو حرارة في التاريخ، مهددة حياة 900 مليون نسمة حول العالم، يرزح العراق تحت وطأة أزمتين متلازمتين: نار التغير المناخي المتسارعة بسبب الإهمال والتقاعس، ونار الفساد وسوء الإدارة التي تحول دون تنفيذ أي خطوات إصلاحية حقيقية.
وبحسب تحليل أعدته وكالة الصحافة الفرنسية (AFP) استناداً إلى بيانات برنامج "كوبرنيكوس" الأوروبي للتغير المناخي، سُجل شهر تموز/يوليو 2026 كأكثر الأشهر حرارة على الإطلاق منذ بدء تدوين البيانات عام 1970. وتأثرت بهذه الموجة الحرارية القياسية مناطق يقطنها 900 مليون شخص في 33 دولة، لا سيما في فرنسا، وإسبانيا، ودول منطقة الساحل الأفريقي، وأمريكا اللاتينية، مما عكس صورة قاتمة عن احترار المحيطات وتفاقم الأزمة المناخية.
العراق: تقاعس حكومي وانحسار للمساحات الخضراء
وفي هذا السياق، أكدت الخبيرة البيئية إقبال لطيف، في تصريح لـ "كوردستان 24"، أنه رغم هذه التهديدات العالمية، عجزت الحكومات العراقية المتعاقبة عن اتخاذ إجراءات تكيف ملموسة؛ حيث تُعد جفاف البساتين وانحسار المساحات الخضراء إحدى أكبر الكوارث البيئية بالبلاد.
وأشارت الخبيرة إلى أنه رغم إطلاق مبادرات لزراعة 5 ملايين شجرة، إلا أن المؤسسات التنفيذية – لاسيما أمانة بغداد – تعمل بدون رؤية بيئية حقيقية؛ حيث تستبدل الأشجار المعمرة والأشجار ذات الظل بالنباتات والزهور الموسمية التي لا توفر ظلاً ولا تسهم في خفض درجات الحرارة.
"القبة الحرارية" وأزمة المياه
وأوضحت الخبيرة البيئية أن العراق وقع تحت تأثير ما يُعرف بـ "القبة الحرارية" الناتج عن اتساع رقعة التصحر، وانحسار الغابات، وعمليات استخراج النفط والغاز، والأنشطة العسكرية الممتدة، ما تسبب في تبخر سريع للمياه السطحية.
يرافق ذلك – بحسب لطيف – غياب الضغط الدبلوماسي العراقي الفاعل على دول الجوار (ولا سيما تركيا) للحصول على الحصة المائية العادلة من نهري دجلة والفرات.
التأثيرات على كوردستان والهجرة البيئية
وعن التأثيرات على إقليم كوردستان، بينت الخبيرة أن المناطق الجبلية في دهوك والسليمانية وأربيل تأثرت بدورها بموجات الحر القادمة من أوروبا وارتفاع حرارة المحيطات، مشيرة إلى أن جفاف وتلف محاصيل العنب في السليمانية يُعد مثالاً حياً على هذا التحول. كما أدى حفر آلاف الآبار غير القانونية وإنشاء أحواض الأسماك العشوائية إلى استنزاف مفرط للمياه الجوفية والسطحية.
بيانات وأرقام صادمة عن الواقع البيئي في العراق:
يفقد العراق أراضيه الخصبة بمعدلات غير مسبوقة جراء الاحتباس الحراري، وسوء إدارة المياه داخلية، وتراجع الإمدادات من دول المصدر، والحروب التي دمرت البنية البيئية:
1. المساحة المتأثرة بالتصحر:
92% من مساحة العراق (البادغة 438 ألف كم²) مهددة بالتصحر أو تمر بمرواحله المختلفة وفق تقارير الأمم المتحدة.
39% من الأراضي تحولت بالفعل إلى صحراء قاحلة.
54% من الأراضي تُصنف كأراضٍ شديدة الهشاشة ومعرضة لفقدان قدرتها الإنتاجية بسبب الملوحة وزحف الرمال.
2. فقدان الأراضي الزراعية:
100 ألف دونم: يتصحر في العراق سنوياً هذا الحجم من الأراضي الزراعية (الدونم = 2500 م²).
الملوحة: تعاني نحو 70% من الأراضي الزراعية في وسط وجنوب العراق من التملح الشديد.
3. العواصف الترابية:
حذر البنك الدولي من أنه بحلول عام 2050، قد تصل أيام العواصف الترابية في العراق إلى 300 يوم في السنة حال استمرار التقاعس البيئي.
4. العجز المائي:
انخفض تدفق نهري دجلة والفرات بنسبة 50% إلى 70% مقارنة بالعقود الماضية.
يُتوقع أن يصل العجز المائي في العراق إلى 11 مليار متر مكعب بحلول عام 2035.
5. المساحات الخضراء بالمدن:
تراجعت نسبة المساحات الخضراء داخل المدن العراقية إلى 1% - 2% فقط، مقارنة بالمعيار الدولي البالغ (15% - 20%).
6. الهجرة المناخية:
اضطر أكثر من 80 ألف شخص (خاصة في أهوار الجنوب والمناطق الريفية) للنزوح وترك مناطقهم نحو مراكز المدن بسبب الجفاف، وفق المنظمة الدولية للهجرة (IOM).
الإجراءات والحلول المقترحة:
لمواجهة هذا الخطر الداهم، شدد خبراء البيئة على ضرورة اتخاذ حزمة إجراءات عاجلة:
إقرار استراتيجية وطنية شاملة وملزمة لمواجهة التغير المناخي من قبل الحكومة الاتحادية.
تفعيل أدوات الضغط الدبلوماسي لتأمين الحصص المائية التاريخية للعراق من دول الجوار.
إطلاق حملات تشجير مكثفة ودائمة في الشوارع والمدارس والمستشفيات والمؤسسات.
إصدار "سجل وطني" للأشجار المعمرة وحمايتها بقوة القانون كرموز بيئية.
دعم الصناعة الوطنية لإنتاج أجهزة تكييف صديقة للبيئة وموفرة للطاقة لتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
تعزيز دور وسائل الإعلام في رفع الوعي الشعبي بمخاطر الجفاف وضرورة ترشيد المياه.
تحقيق صحفي لـ إسراء أنور - كوردستان24