وزير الخارجية الإيراني يكشف كواليس مفاوضات حزيران مع إدارة ترامب ودور قطر وباكستان في الوساطة
أربيل (كوردستان 24)- أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، اليوم الثلاثاء 18 آب/أغسطس 2026، أن الحرب الأخيرة التي استمرت 40 يوماً أحدثت تغييراً جذرياً في المعادلات الأمنية والسياسية في المنطقة، مشيراً إلى أن المفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية أفضت في نهاية المطاف إلى توقيع مذكرة تفاهم في منتصف شهر حزيران/يونيو الماضي، بعد محاولات أمريكية لفرض "وثيقة استسلام" على طهران.
وذكر عراقجي، في تصريحات رسمية، أن "حرب الـ 40 يوماً" أثبتت لدول المنطقة أن الاعتماد على القوى والقواعد الأجنبية لا يوفر الأمن، بل تحول إلى عامل مخل به. وأوضح أن الدول التي لم تكن تضم قواعد أمريكية كانت الأكثر استقراراً وأقل تأثراً بتداعيات الصراع، بينما القواعد الموجودة في دول أخرى ركزت على حماية إسرائيل ولم تدافع عن الدول المضيفة لها، مما دفع دول المنطقة إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن الجماعي، خاصة في منطقة الخليج، والتوجه نحو بناء منظومة أمنية واقتصادية متكاملة ومستدامة.
كواليس المفاوضات مع واشنطن ومذكرة التفاهم
وفيما يخص الملف التفاوضي مع واشنطن، كشف وزير الخارجية أن التحركات والمراسلات بدأت بطلب من الجانب الأمريكي في منتصف شهر آذار/مارس 2026، تزامناً مع ذروة العمليات العسكرية. وأوضح عراقجي أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاول في البداية ممارسة ضغوط قصوى عبر منصات التواصل الاجتماعي، مطالباً بـ "استسلام غير مشروط"، حيث قدمت واشنطن في البداية مسودة من 15 بنداً وصفها بأنها "صك استسلام"، لكن الصمود الميداني والسياسي أدى إلى تحول هذه المطالب إلى مذكرة تفاهم مكونة من 14 بنداً، تم التوقيع عليها في 15 حزيران/يونيو 2026.
وأشار عراقجي إلى أن المفاوضات استمرت لثلاثة أشهر من المد والجزر، مؤكداً أن الرئيس مسعود بزشكيان كان يرفض مبدأ "وقف إطلاق النار" المؤقت، ويصر على ضرورة "إنهاء الحرب" بشكل يضمن عدم تكرارها وتحقيق مصالح الشعب الإيراني. وأضاف أن فريق المفاوضات، الذي ترأسه محمد باقر قاليباف بتكليف مباشر من بزشكيان، حظي بدعم كامل من الرئاسة لمواجهة الضغوط الخارجية والعراقيل التي وضعت في طريق الوصول إلى هذا التفاهم.
الوساطة الإقليمية والدور القطري الباكستاني
وعن القنوات الدبلوماسية التي سهلت هذا الاتفاق، سمّى عراقجي كلاً من قطر وباكستان كوسطاء رئيسيين بين طهران وواشنطن، مشيراً إلى أن الدوحة أدت دوراً محورياً وصريحاً في تقريب وجهات النظر ونقل الرسائل خلال الأزمة. وأبدى تفاؤله بأن العلاقة مع دول الخليج ستدخل مرحلة جديدة من التعاون بعيداً عن التوترات السابقة، مشدداً على أن طهران تسعى لبناء أمن جماعي يشمل الأبعاد الاقتصادية لردم الفجوات التي قد تؤدي إلى عدم الاستقرار.
تحولات ما بعد الحرب وصورة "إيران القوية"
وشدد وزير الخارجية على أن صورة "إيران الضعيفة" التي حاولت الأطراف الخارجية الترويج لها قبل الحرب قد انتهت تماماً، معتبراً أن المقاومة طيلة 40 يوماً أمام قوى تمتلك ترسانات نووية وتقنيات متطورة، وفي ظل غياب دفاع جوي متكامل، أثبتت صلابة الدولة ومؤسساتها. ولفت إلى أن أي مسؤول أو دبلوماسي لم يغادر منصبه أو ينسحب من مهامه تحت القصف والضغوط الدولية، وهو ما عزز من موقف طهران التفاوضي.
كما أشار عراقجي إلى أن الدبلوماسية العامة الإيرانية خلال فترة الحرب كانت أكثر تأثيراً من وسائل الإعلام الغربية، حيث نجحت السفارات الإيرانية عبر قنواتها المباشرة في التأثير على الرأي العام العالمي وتوضيح الحقائق الميدانية، مؤكداً أن القوات المسلحة حافظت على قدراتها الردعية حتى اللحظة الأخيرة من الحرب، وكانت ترد بشكل متقابل على كل هجمة تتعرض لها البلاد.
العلاقات الإقليمية والعمق الكوردستاني
وفي سياق تعزيز العلاقات مع الجوار، نوه عراقجي بالزيارة التي أجراها الرئيس بزشكيان إلى إقليم كوردستان، مشيراً إلى أن تواصله باللغة الكوردية مع المسؤولين هناك أعطى دفعة قوية للعلاقات الثنائية وساهم في تعزيز التفاهم المشترك. كما أوضح أن "دبلوماسية المحافظات" والمدن الحدودية لعبت دوراً حيوياً في تأمين الاحتياجات الأساسية والدوائية للبلاد خلال فترة الحصار البحري الذي فُرض أثناء الحرب، مما أكد نجاح استراتيجية الانفتاح على الجوار الجغرافي.
واختتم عراقجي تصريحاته بالتأكيد على أن السياسة الخارجية في المرحلة المقبلة ستقوم على مبدأ "إيران المقتدرة"، وأن الدبلوماسيين الإيرانيين يتحدثون الآن مع العالم من موقع القوة بعد تجاوز واحدة من أصعب المراحل في التاريخ الحديث، مشدداً على التزام وزارة الخارجية بتنفيذ السياسات العليا وتحقيق سيادة الدولة وحقوق الشعب في كافة المحافل الدولية.
المصدر: وسائل اعلام ایرانیة