أسرار باطن الأرض: تجارب نووية قديمة تكشف "تكتلات" غامضة في اللب الخارجي للكوكب
أربيل (كوردستان 24)- كشفت دراسة جيوفيزيائية حديثة، اليوم السبت 22 آب/أغسطس 2026، عن تفاصيل جديدة ومفاجئة تتعلق بالبنية الداخلية لكوكب الأرض، مستندة إلى بيانات "تاريخية" استُخرجت من تجارب نووية تحت الأرض أُجريت قبل أكثر من ثلاثة عقود، مما قدم رؤية أعمق لما يُعرف بـ "المحرك الداخلي" للكوكب وتكوينه الذي يبدو أكثر تعقيداً مما كان يعتقده العلماء.
تطور الفهم الجيولوجي
يعود الفهم التقليدي لطبقات الأرض الداخلية إلى نحو 120 عاماً، عندما بدأ العلماء بتتبع الزلازل باستخدام أجهزة "السيزمومتر". ومن خلال قياس الموجات الأولية (P) التي تنتقل عبر المواد الصلبة والسائلة، والموجات الثانوية (S) التي لا تعبر إلا الأجسام الصلبة، استنتج الجيولوجيون أن الأرض تتكون من لب داخلي صلب شديد الحرارة، يحيط به لب خارجي من المعدن المصهور، ثم الوشاح اللزج، وصولاً إلى القشرة الصلبة الرقيقة التي نعيش عليها.
ومع ذلك، فإن الدراسة الجديدة التي قادتها عالمة الجيوفيزياء في جامعة "فرجينيا تك"، ينغ زو، قدمت "خرائط زمنية" أكثر دقة لهذه الأعماق السحيقة، مستغلةً موجات ناتجة عن مصدر غير متوقع: التفجيرات النووية.
إرث الانفجارات النووية
حللت زو الموجات الزلزالية الناتجة عن سلسلة من الانفجارات النووية تحت الأرض التي أجرتها فرنسا في جزيرة "موروروا" المرجانية في بولينيزيا الفرنسية بين عامي 1977 و1995. هذه الموجات، التي انتقلت عبر آلاف الكيلومترات في باطن الأرض، سُجلت في محطة زلزالية في كازاخستان، مما وفّر للباحثين مجموعة من "اللقطات" المتكررة لما كان يحدث داخل الكوكب في نقاط زمنية مختلفة.
وتكمن الأهمية العلمية لهذه التجارب في أنها حدثت في الموقع الجغرافي نفسه تقريباً، مما جعل الموجات الزلزالية تتبع مسارات متطابقة تماماً عبر طبقات الكوكب. وقد اكتشفت زو أن الموجات التي عبرت اللب الخارجي لم تستغرق دائماً الوقت ذاته للوصول؛ فبالمقارنة مع عام 1977، كانت الموجات أسرع بنحو 0.1 ثانية في أوائل الثمانينيات، وأسرع بنحو 0.15 ثانية بين عامي 1988 و1990، قبل أن تعاود التباطؤ بشكل ملحوظ بحلول عام 1995.

اللب الخارجي: "تكتلات" في سائل مصهور
رغم أن أجزاء الثانية قد تبدو ضئيلة للوهلة الأولى، إلا أنها ذات دلالة جوهرية في علم الجيوفيزياء. فالتغير في السرعة يشير إلى أن الموجات كانت تمر عبر مواد "غير متجانسة" ومتحركة داخل اللب الخارجي.
ووفقاً للدراسة، فإن هذا الشذوذ الزمني يمكن تفسيره بوجود "تكتلات" ضخمة من المواد الصلبة المعلقة داخل السائل المعدني المصهور. وشبّهت زو هذا المشهد بـ "قطع كبيرة من الخبز المحمص العائمة في حساء الطماطم". وتُقدر الدراسة وجود شذوذ مادي يمتد لأكثر من 700 كيلومتر وبسماكة تصل إلى 100 كيلومتر في المناطق الواقعة تحت جنوب المحيط الهادئ.
تداعيات على المجال المغناطيسي
يغير هذا الاكتشاف المفهوم السائد بأن اللب الخارجي هو مجرد بركة متجانسة من المعادن السائلة. ويرى الباحثون أن فهم حركة هذه "الكتل" الغامضة يعد أمراً حيوياً، لأن اللب الخارجي هو المسؤول عن العمليات التي تولد المجال المغناطيسي للأرض، وهو الدرع الذي يحمي الكوكب من الإشعاعات الكونية والرياح الشمسية.
وتتفق هذه النتائج مع أبحاث سابقة من جامعة جنوب كاليفورنيا، كانت قد أشارت إلى أن اللب الخارجي قد يتسبب في تغيير شكل اللب الداخلي، مما يؤدي إلى اضطرابات محتملة في المجال المغناطيسي.
أهمية النطاق الزمني الدقيق
ما يجعل هذه الدراسة فريدة هو اعتمادها على "مصادر زلزالية مسيطر عليها". ففي العادة، يعتمد العلماء على الزلازل الطبيعية التي يفصل بينها عقود، مما يجعل من الصعب التمييز بين التغيرات الحقيقية في باطن الأرض وبين الشكوك المتعلقة بمواقع تلك الزلازل. لكن التجارب النووية وفرت بيانات "مخبرية" دقيقة مكنت العلماء من "الاستماع" بوضوح إلى ما يحدث في أعمق الآلات الجيولوجية للأرض.
وخلصت الدراسة إلى أن تلك الانفجارات المدمرة، التي تركت جروحاً بيئية عميقة في السبعينيات والثمانينيات، قدمت للمفارقة فرصة علمية نادرة لفهم كيفية عمل محرك الكوكب، مما يثبت أن باطن الأرض أكثر اضطراباً وحركة مما كنا نتخيل.
المصدر: موقع Science alert