مع تصاعد الحصار وتراجع السيطرة على مضيق هرمز.. طهران تتجه نحو التصعيد العسكري في مياه الخليج

أربيل (كوردستان 24)- تتجه طهران نحو تبني مسار تصعيدي غير مسبوق في مواجهة الضغوط العسكرية والاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة، وسط مخاوف متنامية لدى القيادة الإيرانية من تراجع قدرتها على إحكام السيطرة على الملاحة في مضيق هرمز، وفق ما كشفته تحليلات وتطورات ميدانية متسارعة.

ويأتي هذا التحول في ظل قناعة متزايدة لدى دوائر صنع القرار في إيران بأن كسر طوق الحصار البحري الأمريكي المفروض على صادرات النفط، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال رفع وتيرة المواجهة المباشرة وإعادة فرض معادلات الردع بالقوة، حتى وإن كان ذلك يحمل مخاطر اندلاع حرب شاملة.

اشتباكات مباشرة في المضيق ومحاولات عزل الخليج

وشهدت الأيام القليلة الماضية تصعيداً عسكرياً هو الأخطر منذ أشهر؛ إذ أعلنت إيران استهداف سفينتين حربيتين أمريكيتين بصواريخ بالستية في سابقة من نوعها، لترد القوات الأمريكية بضرب ثلاث ناقلات نفط إيرانية وإغراق إحداها. ولم يتوقف الرد الأمريكي عند هذا الحد، بل تبعه توجيه ضربات إضافية لناقلات نفط قبالة جزيرة خرج، وهي المركز الرئيس لتصدير الخام، وقرب ميناء جاسك جنوبي البلاد.

وعلى الصعيد السياسي، أطلق رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف تحذيرات شديدة اللهجة، مؤكداً أن مرحلة "الردود المتناسبة" قد انتهت، وأن أي استهداف للمصالح الإيرانية سيواجه برد أسرع وأثقل وأشد إيلاماً. وتزامن ذلك مع إعلان مسؤول الأمن الإيراني محسن رضائي عزم بلاده فرض "منطقة محظورة" للملاحة تمتد داخل مياه الخليج، وهي خطوة تتجاوز الإجراءات السابقة الرامية لغلق مضيق هرمز وتهدف لفرض قواعد اشتباك جديدة تلزم السفن بشروط طهران كمعيار للمرور الآمن.

تراجع أوراق القوة وضغوط الحصار الاقتصادي

ورغم قدرة إيران على امتصاص تداعيات الحملة العسكرية الواسعة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في شباط/فبراير الماضي، فإن حرب الاستنزاف الاقتصادية الراهنة باتت تهدد استقرارها الداخلي. فقد شلّ الحصار البحري الأمريكي قدرة طهران على تصدير نفطها، الذي يمثل شريان الحياة المالي الأساسي للبلاد، ما فاقم أزمات التضخم وتراجع قيمة العملة الوطنية، ودفع الحكومة إلى رفع أسعار الوقود لمواجهة النقص الحاد، وسط مخاوف متزايدة من اندلاع موجات جديدة من الاحتجاجات الشعبية المماثلة لتلك التي شهدتها البلاد أواخر العام الماضي.

في المقابل، نجحت قوافل المرافقة والحماية التي تسيرها البحرية الأمريكية في تأمين عبور محدود لناقلات النفط عبر مضيق هرمز، مما قوض استراتيجية الإغلاق التام التي سعت طهران لتنفيذها لدفع أسعار الطاقة العالمية إلى مستويات قياسية وإلحاق ضرر اقتصادي مباشر بواشنطن. ورغم أن عمليات المرافقة هذه مكلفة للغاية وتسمح بمرور عدد يسير من السفن، إلا أنها منعت أسعار الخام من الانفلات عالمياً، وجعلت إيران تشعر بأن قبضتها على هذا الممر الحيوي بدأت بالتراجع تدريجياً.

تطور تكتيكي واستهداف متقدم للبحرية الأمريكية

ويرى محللون وخبراء في الشأن الإقليمي أن إيران لجأت إلى استهداف القطع الحربية الأمريكية كخطوة مدروسة لإعادة زمام المبادرة المفقود. ويشير المتخصص في شؤون الشرق الأوسط حميد رضا عزيزي إلى أن القوات الإيرانية كانت تتجنب في السابق استهداف السفن العسكرية الأمريكية لمنع وقوع خسائر بشرية كبيرة، إلا أن هذه الحسابات تغيرت بالكامل الآن مع سعي الطرفين لإعادة ترسيم الخطوط الحمراء إلى أقصى حد ممكن.

ويعكس هذا التحول تطوراً في القدرات العسكرية الإيرانية، حيث أظهرت الأشهر الماضية دقة متزايدة في استهداف المواقع التابعة للقوات الأمريكية في المنطقة، على غرار الهجوم الذي استهدف قاعدة في الأردن خلال تموز/يوليو الماضي. كما تسعى طهران بوضوح لتطوير قدراتها من خلال الاستفادة من عتاد خصومها، حيث أعلن الحرس الثوري مؤخراً احتجاز طائرة مسيرة أمريكية متطورة تعمل تحت الماء، على الرغم من تأكيد القيادة المركزية الأمريكية أن المسيرة كانت طرازاً قديماً تعرض لخلل فني ولم يكن يحمل معدات سرية.

حسابات التوقيت ومأزق الانتخابات الأمريكية

وعلى المسار الدبلوماسي، تبدو الآفاق مسدودة في ظل رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خيار التفاوض أو العودة إلى مذكرة التفاهم التي جرى التوصل إليها في نيسان/أبريل لوقف الحرب، مفضلاً المضي في سياسة الخنق الاقتصادي حتى النهاية. هذا الانسداد يدفع طهران إلى الاعتقاد بأن الفترة التي تسبق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل تشكل نافذة حاسمة لتصعيد الضغط، استناداً إلى أن خوض حرب استنزاف غير شعبية قد ينعكس سلباً على ترامب وحزبه الجمهوري.

وتتكامل هذه الاستراتيجية مع التوترات الإقليمية المحيطة، بما فيها الهجمات التي شنها الحوثيون مؤخراً على مواقع في جنوب السعودية وتهديد الرياض بالرد، إلى جانب التهديدات الصادرة عن تل أبيب بشأن إسقاط السلطة الحاكمة في إيران، وهو ما يدفع طهران لمحاولة استباق التطورات وخلط الأوراق عبر جعل كلفة التصعيد في مياه الخليج باهظة للغاية، وإجبار الإدارة الأمريكية في نهاية المطاف على القبول بتسوية ترفع عنها الحصار النفطي الخانق.

المصدر: صحیفة The New York Times- عدد الیوم الاربعاء 9 ایلول/سبتمبر 2026