اللواء القبيبان لـ"كوردستان24": الصواريخ الحوثية سلوك عبثي وهيستيريا تُدار من خارج الحدود
السلاح الموازي والتوازنات الإقليمية.. أين تتجه أزمة الساحل الغربي لليمن؟
أربيل (كوردستان24)- تعيش منطقة جنوب البحر الأحمر ومحيط مضيق باب المندب تحولاً جيوسياسياً وعسكرياً مفصلياً، إثر المحاولات الميدانية المستمرة لجماعة الحوثي لتعزيز تواجدها على الشريط الساحلي الغربي لليمن، بما في ذلك مدينة وميناء المخا وبعض الجزر الحيوية مثل ميون وزقر. غير أن هذه التحركات، التي استهدفت تحويل الممر المائي الدولي الأكثر أهمية لنقل النفط والتجارة إلى نقطة ابتزاز مباشر، قوبلت بيقظة عسكرية واستراتيجية حاسمة أظهرت حدود قدرة الجماعة على تحويل الممر إلى ساحة نفوذ دائمة.
ولم تقف هذه المحاولات عند حدود الانتشار الساحلي، بل امتدت لتشمل تصعيداً إقليمياً من خلال محاولة الحوثيين فرض حصار بحري على السفن والناقلات المرتبطة بالمملكة العربية السعودية، واستهداف المنشآت الاقتصادية السعودية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة. لكن هذه الممارسات أظهرت في جوهرها مأزق الجماعة ورغبتها في التغطية على تراجعها الميداني عبر الرهان على ورقة الملاحة البحرية كأداة ضغط استراتيجية محاطة برهانات عالية المخاطر.
وفي هذا السياق، كشف الخبير العسكري والاستراتيجي السعودي، اللواء الركن محمد القبيبان، في تصريح خاص لـ "كوردستان24"، أن استمرار جماعة الحوثي في إطلاق الصواريخ تجاه المنشآت الحيوية يعد "سلوكاً عبثياً وحالة من الهستيريا والجنون التي لا طائل منها"، مؤكداً أن هذه التصرفات غير مقبولة وتمثل خرقاً صريحاً للاتفاقيات المبرمة سابقاً. وأوضح القبيبان أن هذه العمليات تفتقر لأي أهداف استراتيجية عسكرية كونها تستهدف مواقع أمنية واقتصادية ومدنية بعيدة عن ميادين القتال، مشيراً إلى أنها تُدار بقرارات من خارج الحدود الجغرافية لليمن بهدف إشاعة الفوضى، وزعزعة استقرار التجارة العالمية، وتهديد أمن الملاحة وخطوط الطاقة.
في المقابل، تعاملت المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي مع هذا التصعيد من موقع القوة والسيطرة؛ حيث قادت الرياض حراكاً دولياً رفيع المستوى ودعت مجلس الأمن إلى اتخاذ موقف حازم لضمان حماية الملاحة وتطبيق قرارات حظر التسليح. وتأتي هذه التحركات السعودية مستندة إلى شبكة تحالفات متينة وقدرات دفاعية جوية وبحرية عالية الجاهزية أثبتت كفاءتها في تحييد التهديدات وإحباط الاستهدافات قبل تحقيق أهدافها.
وفي الوقت الذي واصلت فيه القوات اليمنية الشرعية بدعم مباشر من التحالف تنفيذ عمليات مركزة لتطويق النفوذ الحوثي وإحكام الخناق على خطوط إمداده، أكد اللواء محمد القبيبان لـ "كوردستان24" أن المملكة تضطلع بدورها المحوري والحازم في حماية أمنها القومي واقتصادها من خلال الاعتراض الدفاعي الدقيق لهذه الصواريخ، فضلاً عن دورها المسؤول في ضمان تدفق إمدادات الطاقة للأسواق العالمية، والقدرة العالية لأجهزتها المعنية على معالجة الأضرار الجانبية الناجمة عن تساقط الشظايا والحطام.
وعلى الضفة الدولية، واجهت الجماعة عزلة غير مسبوقة وإدانات صارمة من العواصم الكبرى (واشنطن، لندن، وعواصم الاتحاد الأوروبي)، إلى جانب تحذيرات الأمم المتحدة من مخاطر الاستهدافات العشوائية. وأسفر هذا الموقف الدولي الصارم عن تعزيز الوجود التحالفي والدوريات البحرية لتأمين الممرات البحرية وتجريد الحوثيين من أي قدرة على التأثير في حركة التجارة الدولية، وهو ما شدد عليه القبيبان أيضاً بالإشارة إلى وجود إجماع ورفض دولي واسع لعمليات الحوثيين في الممرات المائية الحيوية مثل مضيق باب المندب، وخليج عدن، وبحر العرب.
وعلى الجانب الآخر من القراءات التحليلية للمشهد السياسي، دعا المحلل السياسي والأكاديمي القطري الدكتور علي محمد الهيل، في تصريح خاص لـ "كوردستان24"، المملكة العربية السعودية إلى تبني مسار سياسي استيعابي يهدف إلى دمج جماعة "أنصار الله" (الحوثيين) في العملية السياسية وإشراكهم في حكومة يمنية موحدة تمثل كافة أطياف الشعب.
وأوضح د. الهيل أن انخراط الحوثيين في العمل السياسي وتسليم أسلحتهم مرهون بوجود ضمانات ونوايا جادة من قِبل الحكومة اليمنية والرياض، مشدداً على ضرورة أن تشمل خطة تسليم السلاح بكافة التشكيلات المسلحة في الساحة اليمنية دون استثناء، بما فيها "ألوية العمالقة" و"المقاومة الوطنية" وكافة الفصائل الحليفة للحكومة الشرعية، لدمج تلك الترسانات العسكرية ضمن قوام الجيش اليمني الرسمي.
كما حذر الهيل عبر "كوردستان24" من خطورة استمرار الخيار العسكري الذي قد يجر الرياض إلى "حرب استنزاف" طويلة ومكلفة، لافتاً إلى تنامي القدرات العسكرية والتصنيعية للحوثيين وامتلاكهم منظومات صواريخ باليستية وطائرات مسيرة قادرة على الوصول إلى أهداف استراتيجية بعيدة المدى، فضلاً عن تعقيدات المشهد الإقليمي والتحالفات المتقاطعة حول مضيق باب المندب والقرن الأفريقي.
ومع استمرار هذا التصعيد وتنوع القراءات حول مآلاته، أظهرت التطورات الميدانية حقيقة الخلل في موازين القوى الأمنية؛ فبينما تحاول الجماعة استنزاف خطوط الملاحة ورفع أسعار التأمين البحري وتكاليف الشحن، تواصل القوى الإقليمية والدولية بقيادة المملكة فرض التوازنات وتأمين إمدادات الطاقة، مع إبقاء الجماعة تحت ضغط عسكري واقتصادي مستمر يضيق عليها الخيارات الميدانية.
وقد أفرز هذا الواقع المعقد جملة من الحقائق التحليلية والنتائج البارزة:
فشل استراتيجية الحصار المقابل: أثبتت الوقائع أن المحاولات الحوثية للضغط عبر ملف الملاحة لم تحقق أهدافها التكتيكية، بل ضاعفت من العزلة الدولية للجماعة وجعلتها تحت طائلة ضربات تحالفية ودولية مركزة.
التفوق الاستراتيجي للمملكة وحلفائها: أظهرت إدارة الأزمة اقتداراً سعودياً في إدارة الملفين العسكري والدبلوماسي، من خلال تأمين العمق الاقتصادي وفرض خيارات أمنية حازمة شلت القدرات الهجومية للجماعة.
انسداد خيارات الجماعة: وضعت التحركات الميدانية الحازمة الحوثيين أمام حائط مسدود، بعد أن أدت الاستهدافات العشوائية إلى توحيد المواقف الدولية ضد مشروعهم وتحويل الساحل الغربي إلى مسرح استنزاف مباشر لنفوذهم.
ختاماً، وبناءً على هذه المعطيات والقراءات المتصادمة بين ضرورة خيار الردع الحازم وحتمية البحث عن تسوية سياسية شاملة، يتبين أن المشهد في جنوب البحر الأحمر ومحيط مضيق باب المندب لم يعد مجرد نزاع محلي حول نفوذ ساحلي، بل تحول إلى اختبار استراتيجي حقيقي لقياس قدرة القوى الإقليمية والدولية على حماية خطوط التجارة العالمية وأمن الطاقة. إن تحويل هذا الممر المائي الحيوي إلى ساحة للرسائل العسكرية المتبادلة يضع جميع الأطراف أمام استحقاقات باهظة الكلفة؛ حيث لم تعد الخيارات العسكرية المحض قادرة على حسم المعركة بشكل نهائي ودون تبعات جيو-اقتصادية عابرة للحدود.
إن تغليب كفة الردع وتأمين الترسانة الدفاعية كفل للمملكة العربية السعودية والحلفاء امتلاك زمام المبادرة الميدانية والدبلوماسية وحماية المقدرات الوطنية، إلا أن استمرار خيار استنزاف الملاحة البحرية يظل رهيناً بالهياكل والتوازنات الإقليمية الممتدة. وهذا بدوره يفرض التأكيد على أن المخرج من هذه الدوامة لن يتحقق إلا عبر تقاطع صارم بين أدوات الحسم الأمني وتوفر الإرادة السياسية التي تعيد إدماج كافة المكونات ضمن هيئة حكم تمثل الدولة وتنهي ظاهرة السلاح الموازي. وبدون صياغة هندسة أمنية جديدة تعترف بتحولات القوة على الأرض وتضمن كبح التهديدات العابرة للحدود، ستظل المنطقة معلقة بين سيناريوهين أحلاهما مر: إما الانزلاق نحو حرب استنزاف طويلة تعطل حركة التجارة الدولية، أو تقديم تنازلات سياسية معقدة لتفادي كوارث أعمق على الاقتصاد والأمن الإقليمي والدولي.