الرئيس بارزاني: العراق بُني على الشراكة والتوازن والتوافق.. وتجاهل هذه المبادئ يقود للمجهول
أربيل (كوردستان24)- في حوار سياسي شامل تناول مجمل التطورات في المشهد العراقي والإقليمي، استعرض الرئيس مسعود بارزاني، مسار التجربة السياسية في العراق منذ الإطاحة بالنظام السابق عام 2003 وحتى اليوم.
واستهل الرئيس بارزاني حديثه بالإشارة إلى نضال الشعب الكوردي التاريخي الممتد منذ ثورة أيلول، مبيناً أن قيادة الثورة وضعت منذ البداية مبدأً ثابتاً يقضي باستحالة نيل الحقوق القومية إلا في ظل نظام ديمقراطي حقيقي، وهو ما تجسد في رفع شعار "الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكوردستان"، وصولاً إلى تبني برلمان الإقليم لخيار الفيدرالية بعد عام 2003 كصيغة لبناء عراق اتحادي جديد يضمن الشراكة الوطنية.
وأوضح بارزاني أن مرحلة ما بعد عام 2003 شكلت فرصة ذهبية تاريخية لإعادة بناء الدولة العراقية على أسس متينة، حيث جرى التوافق في حينه على ثلاثة مبادئ مركزية هي "الشراكة والتوازن والتوافق"، وهي المبادئ التي كُتب الدستور بروحها ومضمونها. ورأى أن الكثير من الأزمات التي تعصف بالبلاد اليوم ما كانت لتحصل لو تم تطبيق الدستور بنوايا صادقة، معرباً عن أسفه لاستمرار هيمنة عقلية وثقافة الحكم المركزي في بغداد، فضلاً عن التدخلات الخارجية التي ساهمت في ترسيخ هذه الثقافة المعرقلة لمفهوم الفيدرالية القائم أساساً على التوزيع العادل للسلطة والثروة.
وانتقد زعيم الحزب الديمقراطي الكوردستاني طريقة إدارة الدولة في المراحل السابقة والحالية، لافتاً إلى أن ما يشهده العراق هو توقيع اتفاقات وبرامج حكومية سرعان ما توضع على الرف بمجرد اكتمال تشكيل الحكومة ليتحكم المزاج الشخصي في إدارة الملفات. وشدد على أن المؤسسات الدستورية لا تحكم البلاد بالمعنى الحقيقي، بل إن "الدويلات الموازية" هي المهيمنة، محذراً من أن التاريخ أثبت فشل وسقوط الأنظمة التي اعتمدت سياسة الحديد والنار والأسلحة الكيماوية وحملات الأنفال، وأن أي نظام جديد يكرر سياسات الحكم المركزي الإقصائي سيكون مصيره السقوط الحتمي.
وفي معرض حديثه عن العلاقة بين المركز والإقليم، أكد بارزاني أن تهميش دور أربيل ومصادرة قرارها السياسي ألحق الضرر بالعراق ككل، مذكراً بأن الفترات التي شهدت تنسيقاً كاملاً بين بغداد وأربيل كانت الأمور تسير فيها بنجاح وسلاسة. وأبدى استعداده لتشكيل لجنة من الخبراء المستقلين لتحديد مكامن الخلل والمسؤوليات بين الطرفين بموضوعية، مشدداً على أن الدستور يظل خارطة الطريق الوحيدة لفض كل النزاعات وضمان حقوق وواجبات الجميع إذا ما تم الاحتكام إليه كحكم ملزم.
وعن مشاركة الكورد في التشكيلة الحكومية الحالية، كشف بارزاني أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني عاد إلى بغداد بعد مواجهته لما وصفه بـ"تآمر قذر" حاكته أطراف من الإطار التنسيقي وأخرى سنية بهدف إقصائه وتهميشه واستعراض القوة أمامه في جلسات البرلمان. وأعلن عن وجود وثيقة اتفاق سياسي خطية وموقعة رسمياً قبل تشكيل الحكومة بين رئيس إقليم كوردستان ونائب رئيس الحزب نيجيرفان بارزاني من جهة، ورئيس تحالف الفتح هادي العامري ممثلاً عن الإطار التنسيقي من جهة ثانية، مؤكداً أن بنود الاتفاق دستورية بالكامل وتتعلق بحقوق الشراكة والكرامة والمادة 140 وقانون النفط والغاز.
وحذر بارزاني من أن عدم تنفيذ هذا الاتفاق سيلغي أي معنى أو مبرر لبقاء الكورد في الحكومة، قائلاً إنهم لن يقبلوا بأن يكونوا "شهود زور" في معادلة سياسية يسيطر عليها مكوّن واحد، واصفاً هيمنة الإطار التنسيقي المطلقة على مفاصل الحكم بأنها خطأ استراتيجي، ومشيراً إلى أن غياب التيار الصدري وتهميش القوى الأخرى يجعل من الحكم في العراق حكماً ناقصاً ومفلوجاً لا يمكنه الاستمرار.
وحول تقييمه لأداء رئيس مجلس الوزراء الحالي، أشاد بارزاني بشخص رئيس الحكومة، واصفاً إياه بالشاب ذي النوايا السليمة الذي يفتقر إلى الخلفية السياسية المعقدة لأسلافه، ومؤكداً دعم الحزب الديمقراطي الكامل له ومساعدته بقوة، ولا سيما في ملف مكافحة الفساد من خلال التنسيق الأمني والقبض على مطلوبين وضبط أموال مهربة وإعادتها إلى بغداد. وفي المقابل، أشار بارزاني إلى أن ملف حصر السلاح بيد الدولة يعد من أصعب التحديات بسبب وجود أطراف منتفعة من السلاح المنفلت ترفض التخلي عنه وتضع شروطاً تعجيزية، معرباً عن أمله في معالجة هذا الملف سلمياً وتجنب أي اقتتال داخلي لما يحمله من مخاطر تجر البلد إلى المجهول.
وفي الملف الإقليمي والدولي، حذر بارزاني من تداعيات الصراع المستمر بين الولايات المتحدة وإيران على الساحة العراقية، مشدداً على ضرورة تجنيب العراق دفع فواتير هذه الحروب. ونبه إلى خطورة التهديدات بفرض عقوبات اقتصادية أو حجب السيولة المالية وعائدات النفط عن بغداد، مؤكداً أن توقف ضخ السيولة لشهرين أو ثلاثة كفيل بإحداث انهيار شامل وعجز تام عن دفع الرواتب. كما عبر عن استغرابه الشديد واستهجانه لاستهداف إقليم كوردستان بأكثر من ألف صاروخ وطائرة مسيرة طالت مقار وبيوت مسؤولين ومدنيين، مؤكداً أن الإقليم لم يكن يوماً طرفاً في هذا الصراع الإقليمي.
وتطرق بارزاني إلى مسألة انسحاب القوات الأجنبية ومخاوف عودة تنظيم داعش، مستذكراً الاجتماعات الأمنية التي شارك فيها عام 2011 حين حذر من مغبة خروج القوات الأمريكية في ظل عدم جاهزية القوات العراقية لحماية مخفر شرطة واحد، وهو ما أدى لاحقاً إلى سقوط ثلث العراق بيد داعش عام 2014 واضطرار بغداد للاستعانة مجدداً بالدعم الجوي للتحالف الدولي. وأكد أن وجود هذه القوات حالياً جاء بطلب رسمي لدعم الجيش والبيشمركة، مبيناً أن أي انسحاب أو تنظيم جديد للعلاقات العسكرية يجب أن ينبثق عن اتفاقات أمنية ثنائية تكون حكومة الإقليم جزءاً أساسياً منها لضمان أمنها واستقرارها.
وفي إطار المؤسسة الأمنية الكوردية، أكد بارزاني اتخاذ خطوات متقدمة وناجحة لتوحيد قوات البيشمركة التابعة للحزبين الرئيسيين ودمجها بالكامل تحت مظلة وزارة البيشمركة لإنهاء أي خصوصية حزبية سابقة. أما بخصوص الموازنة العامة، فأوضح أن حصة الإقليم الدستورية المعتمدة على تعداد السكان يجب أن تتراوح بين 14% و14.5%، رافضاً تقليصها إلى نسب دون 10% كما جرى في الفترات الماضية.
وجدد بارزاني تمسكه الكامل بالمادة 140 من الدستور، مفنداً المزاعم التي تتحدث عن انتهاء مدتها، ومؤكداً أنها تظل نافذة ولا تنتهي إلا بانتهاء الدستور نفسه. ودعا إلى تطبيق مراحلها عبر التطبيع والإحصاء والاستفتاء ليقرر السكان خياراتهم بحرية. كما تناول قصة مشروع قانون النفط والغاز المعطل منذ عام 2007، كاشفاً عن قيام خبراء عراقيين ودوليين بصياغة مسودة ممتازة حظيت بموافقة كل الأطراف في حينه، قبل أن يقوم وزير النفط الأسبق بإلغائها وإطلاق تصريحات مسيئة، مؤكداً استعداد الإقليم التام لإقرار القانون وفق المادتين 111 و112 الدستوريتين اللتين تنصان على أن النفط والغاز ملك للشعب العراقي وتتم إدارتهما بالتنسيق والعمل المشترك.
وتوقف بارزاني عند أزمة انعدام الثقة المتجذرة بين بغداد وأربيل، مشيراً إلى أن للكورد أسباباً تاريخية ومؤلمة للتردد والشك بعد التضحيات الجسيمة التي قدموها، والتي شملت 122 ألف مفقود مدفونين في صحاري الجنوب وتدمير 4500 قرية واستخدام السلاح الكيماوي، ورغم ذلك عاد الكورد بنوايا حسنة لبناء عراق ديمقراطي موحد، ليواجهوا استمرار الطائرات المسيرة والضغوط السياسية. وشدد على أن ديباجة الدستور واضحة في أن الالتزام بنصوصه هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على وحدة العراق أرضاً وسماءً وشعباً.
وعن السيادة العراقية، حمّل بارزاني العراقيين والقادة السياسيين المسؤولية الكاملة في الحفاظ على استقلال قرارهم، مؤكداً أن التدخلات الخارجية لن تتوقف ما لم يقف العراق بحزم ويقول "لا" لكل ما يمس سيادته. وفيما يخص كرد سوريا، دعاهم بارزاني إلى استثمار الفرص الحالية وتجنب الحروب والقتال، والتوجه نحو فتح حوار وتفاهم مباشر مع الحكومة في دمشق لبناء وضعهم الداخلي، موجهاً نصيحة تاريخية بضرورة الاعتماد على الذات وعدم الرهان المطلق على القوى الكبرى وحمايتها.
واختتم رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني حواره بالتأكيد على التزامه بنهج الحوار والعمل المشترك مع القوى الشيعية والسنية لإيجاد مخارج حقيقية للأزمات المركبة، مطالباً الإطار التنسيقي باحترام التوقيع الذي مثله هادي العامري لتنفيذ بنود الاتفاق المبرم، ومجدداً إصراره على البقاء متفائلاً بغد أفضل للعراق وإقليم كوردستان متى ما توفرت الإرادة الوطنية الخالصة لتطبيق الدستور.