المصور المصري يوسف صبري لـ "كوردستان 24": كوردستان تملك سحراً بصرياً يستحق أن يراه العالم
اربيل (كوردستان24) - بين ضفاف النيل في القاهرة وجبال كوردستان في أربيل، يمكن للصورة أن تصنع جسراً يتجاوز حدود الجغرافيا، وأن تحوّل جمال المكان إلى لغة يفهمها الجميع. فالفوتوغرافيا ليست مجرد تسجيل للحظة، وإنما وسيلة لاكتشاف الآخر والتعرف إلى ثقافته وطبيعته وتفاصيل حياته، كما أنها قادرة على نقل الأماكن التي لم تطأها العين إلى جمهور واسع حول العالم.
وتملك كوردستان، وفي القلب منها أربيل، ثراءً بصرياً يستحق أن يُكتشف أكثر؛ من الجبال والمراعي والشلالات والمجاري المائية إلى التكوينات الصخرية والطبيعة المتنوعة التي تمنح المصور مساحات واسعة للتجريب والتأمل. وفي المقابل، تمتلك مصر طبيعة مختلفة تماماً، من الصحراء البيضاء والصحراء الشرقية والغربية إلى سيناء وسيوة وشلاتين، وهو ما يجعل التبادل بين المصورين المصريين والكورد فرصة حقيقية لاكتشاف جمالين مختلفين وتبادل الخبرات والرؤى.
في هذا الحوار، يتحدث المصور الفوتوغرافي يوسف صبري عن تجربته الطويلة في التصوير، ورحلته إلى أربيل، ومعرض «مصر بعيون المصريين»، وسبل تطوير التعاون الفني والثقافي بين المصورين في مصر وكوردستان.
من صحراء مصر إلى جبال كوردستان.. جسر فوتوغرافي يعبر الحدود
في البداية، نود أن تعرّف القراء بمسيرتك وتخصصك الفني؟
أعمل مصوراً فوتوغرافياً متخصصاً في تصوير المنتجات والمجال التجاري، وقد ساعدتني خلفيتي الهندسية على دراسة وفهم فيزياء التصوير الفوتوغرافي، والعلاقة بين الضوء وسرعة الحركة وفتحة العدسة وغيرها من العناصر الأساسية في تكوين الصورة.
بدأت علاقتي بالتصوير منذ فترة طويلة، وتحديداً منذ بداية التسعينيات، وأقمت عدداً من المعارض داخل مصر وخارجها، كما نظمت ورشاً لتعليم التصوير الفوتوغرافي وقمت بالتدريس فيها. وأهتم كذلك بتنظيم رحلات تصويرية داخل مصر، خاصة إلى الصحراء الغربية والشرقية وسيناء وسيوة وجبل علبة وشلاتين والساحل الشمالي، لتصوير الطبيعة والـ«لاندسكيب» والتكوينات الصخرية والرمال والطيور والحياة البرية بتنوعاتها المختلفة.
وماذا عن نشاطك ورحلاتك في التصوير خارج مصر؟
أقوم من وقت إلى آخر برحلات خارج مصر للتصوير، وقد صورت في عدد من الدول، منها إنجلترا وألمانيا وإيطاليا وفرنسا والمجر والنمسا وسلوفاكيا واليونان والولايات المتحدة الأمريكية.
كما شاركت في عدد من اللقاءات والبرامج بالتلفزيون المصري، وكان آخرها لقاء منذ نحو شهر بمناسبة اليوم العالمي للتصوير الفوتوغرافي، تحدثت خلاله عن تجربتي وأعمالي داخل مصر وخارجها.
وهناك أيضاً حالة من التبادل مع مصورين أجانب يزورون مصر، حيث نخرج معهم في رحلات تصويرية داخل البلاد، خصوصاً إلى المناطق الصحراوية، التي تمثل بالنسبة لهم تجربة بصرية مختلفة ومميزة. وفي المقابل نستفيد من خبراتهم وتجاربهم، ونتبادل الرؤى والنقد والتعليق الفني حول الصورة، من حيث فكرتها وتكوينها وجودتها والغرض منها.
ننتقل إلى محطة مهمة في مسيرتك.. كيف بدأت تجربة المعرض وأسبوع التبادل الثقافي مع كوردستان؟
كنت عضواً في جماعة التصوير الفوتوغرافي بنادي الصيد، كما توليت رئاسة لجنة التصوير الفوتوغرافي بالنادي في الدقي.
وفي عام 2013 نظمت وزارة الثقافة، من خلال قطاع العلاقات الخارجية، أسبوعاً ثقافياً بين القاهرة وأربيل، وطلبوا من نادي الصيد، باعتباره يضم في تلك الفترة عدداً من أبرز المصورين في مصر وأعضاء جماعة التصوير، المشاركة بيوم للتبادل الثقافي.
وشملت الفعاليات الفنون التشكيلية والرقص الشعبي وفنون السيرك المصري، إلى جانب معرض فوتوغرافي بعنوان «مصر بعيون المصريين». قمنا بجمع الصور وانتقائها وطباعتها وتأطيرها، ثم سافرت بها إلى أربيل على متن رحلة القاهرة ـ أربيل التابعة لمصر للطيران، وأقيم المعرض هناك.
أربيل ليست مجرد وجهة تصوير.. بل لوحة بصرية غنية تستحق العالمية
وكيف كان صدى المعرض في أربيل؟
افتتح المعرض وزير الثقافة في وقتها، كاوه محمود، وتحدث بكلمات جميلة عن مصر والعلاقات والروابط التاريخية بين مصر وكوردستان.
وأشار إلى جذور قديمة لهذه العلاقة، من بينها ما ارتبط بإصدار صحف باللغة الكوردية ووجود مساحة للبث والتواصل مع الكورد عبر وسائل الإعلام المصرية، بما يعكس امتداداً تاريخياً للتواصل بين الشعبين.
وكان لهذا اللقاء أثر كبير في نفسي، ودفعني إلى الاهتمام أكثر بأربيل وكوردستان، ليس فقط باعتبارهما مكاناً جديداً للتصوير، وإنما باعتبارهما مساحة مهمة للتواصل الثقافي والفني.
حدثنا عن تفاعلكم مع الفنانين المحليين خلال الزيارة؟
ما يميز كوردستان بالنسبة لنا هو طبيعتها المختلفة وغير النمطية. هناك الجبال والمياه والتكوينات الصخرية والمراعي، وهي عناصر تمنح المصور فرصاً كبيرة لصناعة صور متنوعة.
أقمنا أيضاً ورشة للتصوير، وقدمنا للمشاركين بعض أساسيات التصوير الفوتوغرافي، وتحدثنا عن كيفية الإمساك بالكاميرا، والتكوين، والألوان، والظل والنور، والغرض من الصورة، إلى جانب إعدادات الكاميرا مثل التركيز وسرعة نقل اللقطة وفتحة العدسة وحساسية الضوء.وكان هناك تفاعل ممتاز بيننا وبين المشاركين، وهو ما يؤكد أن الصورة لغة مشتركة يمكن أن تجمع بين الفنانين مهما اختلفت خلفياتهم.
والأهم أن المسافة الجوية بين القاهرة وأربيل ليست كبيرة، وهناك خط مباشر، وهو ما يفتح المجال أمام تعاون فني وثقافي مستمر وسهل بين الجانبين.
كيف ترى كوردستان من عين مصور فوتوغرافي؟ وهل تعتقد أنها تحتاج إلى مزيد من الحضور البصري؟
كوردستان جميلة جداً، وتتمتع بطبيعة ثرية ومتنوعة؛ فيها الشلالات والمجاري المائية والتكوينات الصخرية والجبال والممرات المائية والمراعي.
وأعتقد أن الطبيعة هناك تستحق أن تُقدم بصورة أكبر من خلال الصورة الفوتوغرافية، لأن الصورة تستطيع أن تنقل هذا الجمال إلى جمهور لم تتح له فرصة زيارة المكان.
وفي المقابل، فإن مصر تمتلك طبيعة مختلفة؛ لدينا الصحراء والرمال والتكوينات الصحراوية وسيناء وغيرها. وبالتالي فإن الاختلاف بين البيئتين يمكن أن يكون أساساً لتبادل بصري وثقافي غني.
وأرى أهمية إرسال بعثات تصويرية متبادلة، وإقامة تعاون بين جمعيات ونوادي التصوير في مصر وكوردستان، بحيث لا يكون التعاون مجرد فعالية واحدة، وإنما مشروعاً مستمراً لتبادل المعرفة والخبرات والرؤى البصرية.
جبال كوردستان وشلالاتها بيئة مثالية لإلهام مصوري العالم
وما مقترحاتك لتعزيز هذا التواصل مستقبلاً؟
الفن ليس حكراً على أحد، ولا يتوقف عند حدود جغرافية. هو في الأساس تبادل للرؤى والخبرات والشغف.
ومع انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، يمكن إنشاء تجمع أو منصة مشتركة تجمع المصورين المصريين والكورد، تحمل اسماً يربط بين القاهرة وأربيل، وتكون مساحة لتبادل الصور والنقد الفني والخبرات، ويمكن أن تمتد إلى إقامة معارض سنوية، أحدها في القاهرة والآخر في أربيل.
كما يمكن تنظيم رحلات تصوير متبادلة؛ فكما نذهب لتصوير الطبيعة في كينيا أو لبنان، يمكن أن تكون كوردستان إحدى الوجهات المهمة للمصورين المصريين، وفي المقابل نستضيف المصورين الكورد لتصوير الصحراء البيضاء وسيناء وسيوة وغيرها من المناطق المصرية.
ويمكن أيضاً توسيع التجربة مستقبلاً باستضافة مصورين من آسيا وإفريقيا وأوروبا وأمريكا، لتتحول الفكرة إلى ملتقى دولي للتصوير والطبيعة والثقافة.
وماذا عن المعرض التوثيقي الذي أقمته في مصر بعد عودتك من أربيل؟
بعد عودتي وحصولي على التصديق من وزارة الثقافة المصرية، أقمت معرضاً في كرمة ابن هانئ، متحف أحمد شوقي، وكان اختيار المكان يحمل دلالة خاصة، خاصة مع وجود صلة تاريخية مرتبطة بأصول والدة أمير الشعراء أحمد شوقي.
كما عرضت صوراً توثق حضور المسؤولين ووزير الثقافة في العراق، إلى جانب صور من المعرض الذي أقيم في مصر بحضور ممثلي وزارة الثقافة وعدد من كبار فناني التصوير الفوتوغرافي في مصر.
وأحتفظ أيضاً بمجموعة أخرى من الصور والوثائق التي توثق هذه التجربة، ويمكن أن تشكل في المستقبل جزءاً من معرض أكبر يواصل فكرة التواصل بين القاهرة وأربيل من خلال الصورة.
أجرى اللقاء: سيد محمود - خاص بكوردستان24