د. عبد الحكيم خسرو لـ (كوردستان24): انسحاب التحالف الدولي يضع أمن العراق على المحك..
اربيل (كوردستان24) - شكّل المشهد الأمني والسياسي في العراق وإقليم كوردستان محوراً لحوار استراتيجي موسع استضاف فيه برنامج «باسي ڕۆژ – حدیث اليوم» الدكتور عبد الحكيم خسرو، رئيس دائرة التنسيق والمتابعة في حكومة إقليم كوردستان وعضو وفد الإقليم المفاوض في بغداد.
تناول اللقاء بالتفصيل الدقيق أبعاد إعلان جدولة انسحاب قوات التحالف الدولي، وتداعيات ترك الإقليم دون منظومات دفاع جوي في ظل هجمات الطائرات المسيّرة، إلى جانب الكشف عن الإنجازات الهيكلية لقانون الإصلاح في توحيد صفوف قوات البيشمركة ومستحقاتها المالية. كما استعرض الحوار كواليس المباحثات العسيرة مع وزارتي المالية والنفط الاتحاديتين حول موازنة السنوات (2025–2027)، وإسقاط بدعة "الإنفاق الفعلي"، ومستقبل تشريع قانون اتحادي عادل للنفط والغاز.
نص الحوار :
انسحاب قوات التحالف الدولي والجاهزية الأمنية العراقية
ژینو محمد: طاب وقتكم بكل خير أعزائي المشاهدين.
انسحاب وخروج قوات التحالف الدولي من العراق وإقليم كوردستان، إعادة توحيد وتنظيم قوات البيشمركة، واستعدادات إقليم كوردستان لمشروع مسودة قانون الموازنة، إلى جانب عدد من الموضوعات والمحاور الأخرى؛ كلها مجموعة من الأسئلة التي نعتزم أخذ إجاباتها الليلة من ضيفنا، من هو؟ إنه السيد الدكتور عبد الحكيم خسرو، رئيس دائرة التنسيق والمتابعة في حكومة إقليم كوردستان، وهو نفسه عضو في ذلك الوفد الذي زار بغداد، ويسافر باستمرار إلى بغداد لمتابعة مسودة قانون الموازنة لعام 2027 عن قرب.
أبدأ حواري مع سيادته: دكتور، مرحباً بك جداً، وأشكرك على حضورك مجدداً في برنامج «باسي ڕۆژ».
تطرقتُ في المقدمة إلى عدة تساؤلات، ولكن ما يهمنا في مستهل حوارنا هو السؤال الأبرز؛ فرغم أن كل القضايا مهمة، إلا أن المسألة التي تتصدر المشهد يومياً أمام أنظارنا جميعاً هي: مسألة انسحاب قوات التحالف وخروجها من العراق وإقليم كوردستان؛ دعنا نرى ما هو الأثر الملموس الذي خلفته هذه المسألة، ولا سيما على إقليم كوردستان؟
د. عبد الحكيم خسرو: بالتأكيد، لقد واجه العراق بصورة عامة على مدار السنوات المنصرمة الجماعات الإرهابية، وبشكل خاص تنظيم داعش. لقد أفرزت حرب داعش تداعيات بالغة الخطورة والتأثير على الواقع الاقتصادي، الاجتماعي، والسياسي، فضلاً عن حجم النزوح البشري الهائل الذي رأينا كيف توجهت النسبة الكبرى منه إلى إقليم كوردستان.
لهذا، فإن المشهد الذي نراه اليوم، والذي يعيد للأذهان كواليس ما بعد الانسحاب الأمريكي الأول في عام 2011، يثير حتماً تساؤلات ملحة وجوهرية حول مدى جاهزية القوات العراقية للتمكن من ملء هذا الفراغ المتروك.
صحيح أن القوات القتالية التابعة للولايات المتحدة لم تكن بتلك الأعداد الهائلة، ولكن مجرد وجود قوات التحالف، وتحديداً التحالف المناهض لتنظيم داعش وتنسيق الحرب ضده، كان له أثر إيجابي بالغ الأهمية مكّن القوات العراقية أيضاً من التنسيق المشترك مع قيادة العمليات المشتركة التي كانت تنظم العمليات سابقاً.
الفصائل المسلحة خارج سيطرة الدولة تشكل التهديد الأكبر للاستقرار وكوردستان تدفع ثمن تجريدها من الدفاع الجوي
ژینو محمد: حتى أنه قيل إن مجرد بقائهم ووجودهم الميداني هنا كان يُعد بحد ذاته مكسباً؟
د. عبد الحكيم خسرو: نعم بكل تأكيد؛ ففي أي صراع، ولا سيما حين نرى حرباً أو نواجه جماعة أو قوة يتجاوز تأثيرها وتهديدها الحدود الوطنية، ولا ينحصر خطرها في الداخل فقط، بل يمتد عابراً نحو دول الجوار كالدولة السورية؛ حيث رأينا كيف كان أثر داعش على سوريا، وعلى العراق، وعلى منطقة الشرق الأوسط ككل. لذا كان لوجود قوات التحالف الدولي وتحالف محاربة الإرهاب دور وتأثير عظيم في مسار الأمور.
وبالتأكيد، هذا لا يعني أن انسحاب الولايات المتحدة سيمحو تأثيرها العام على الشرق الأوسط؛ فهم يمتلكون قواعد ومقرات استراتيجية كدولة عظمى تدافع عن مصالحها وتصون منشآتها بل وتحمي حلفاءها. بيد أنني أرى أن الإطار العام لإدارة الوجود الأمريكي في العراق قد طرأ عليه تحول وتغيير جذري.
لكن حتماً، يتوجب على القوات العراقية الآن، من حيث التنسيق والعمل الميداني المشترك والجاهزية والاستعداد، أن تنتقل إلى مرحلة جديدة. ولأنه كانت هناك في الفترات السابقة قنوات اتصال وتعاون بين قوات بيشمركة كوردستان والأجهزة الأمنية في الإقليم مع القوات الأمنية الاتحادية في العراق، فقد أثمر هذا العمل الاستخباري والميداني المشترك عن تحقيق نوع من الاستقرار النسبي.
إلا أن وجود التحالف في العراق والإقليم بلا شك كان يشكل مظلة أمان كبرى لحماية المنطقة. وما نراه في الوقت الراهن هو وجود جملة من الفصائل المسلحة والقوى غير المنضبطة التي لا تُبدي أي استعداد لتسليم أسلحتها لسلطة الحكومة الاتحادية.
ژینو محمد: وأعداد هذه الفصائل ليست بالقليلة أيضاً؟
د. عبد الحكيم خسرو: أعدادهم ليست قليلة على الإطلاق؛ وخلال السنوات الفائتة، بل وحتى في الأشهر الماضية، واصلت هذه الجماعات شن هجماتها واستهدافاتها ضد إقليم كوردستان والمناطق العراقية الأخرى. وقد انعكس ذلك سلباً وبصورة واضحة على الاستقرار الأمني، وتأثرت به البنية الاقتصادية ومشاريع الطاقة وعجلة التجارة.
لذلك، فإن استمرار وجود هذه المعسكرات وهذه الفصائل المسلحة داخل الجغرافيا العراقية خلق تأثيراً سلبياً طال حتى جهود مكافحة فلول داعش. وبتقديري، من الأهمية بمكان أن نشدد على أن بقاء العراق في ظل هذا الوضع القائم وتنامي وجود هذه الفصائل، سيجعله عرضة لتحديات أمنية وسياسية بالغة الحرج في قادم الأيام؛ ما لم يتم تفعيل تنسيق متين يحد من تلك التداعيات.
ژینو محمد: تفضلتَ بمقدمة مهمة للغاية، وتُعد مدخلاً لأسئلة كثيرة تراودنا؛ لنبدأ بتوضيح الأمر بصراحة تامة: إقليم كوردستان يشعر بقلق عميق، وقد أعرب عن هذا القلق إزاء مغادرة التحالف وترك الإقليم دون تزويده بمنظومات دفاع جوي؛ إذ لا يمتلك الإقليم حتى اللحظة أي نظام دفاعي جوي.
مِمَّ ينبع هذا القلق تحديداً؟ ولماذا بلغ هذا المستوى من العمق حتى خرجت حكومة الإقليم لتعلنه بصراحة ودون مواربة؟
د. عبد الحكيم خسرو: كما أسلفتُ، النقطة الأولى الجوهرية تتمثل في وجود قوى وفصائل مسلحة داخل العراق غير مستعدة للنزول تحت إمرة القانون أو الرضوخ لسلطة الحكومة الاتحادية، وتحديداً الفصائل الناشطة ذات الأجندات الخاصة.
وفي الوقت عينه، ما زال تهديد داعش والجماعات الإرهابية قائماً ومستمراً؛ بدليل أننا خلال الأشهر القليلة الماضية، وحتى قبل أيام قليلة، شهدنا جملة من الخروقات والحوادث الأمنية التي أكدت بقاء خلايا تنظيم داعش.
صحيح أن هناك تحولات طرأت على حجم هذه الجماعات، لكن الخطر لا يزال يتربص.
مساعدات التحالف الميدانية كانت منحة مؤقتة لقتال داعش وليست رواتب، ورواتب قواتنا مؤمنة بقرار حكومي ثابت
ژینو محمد: دعني أفتح قوساً هنا دكتور: المسؤولون في بغداد، من السياسيين والعسكريين الذين تحاورونهم، يطرحون خطاباً مغايراً؛ فهم يدّعون أن داعش لم يعد يشكل تهديداً من الدرجة الأولى على أمن العراق، وأنه بات في غاية الضعف؟
د. عبد الحكيم خسرو: إن قراءة وتقييم المعطيات الاستخبارية والمعلومات الميدانية لا تتوقف فقط عند احتساب حجم الجماعة أو عدد أفرادها المقاتلين؛ لأن تقييم التهديد الإرهابي يرتبط بمدى توفر البيئة الاجتماعية والسياسية والحاضنة التي تستوعب هكذا تنظيمات.
قد تكون الأوضاع التي أعقبت ما شهدته المحافظات السنية قد أحدثت تغييراً في تلك البيئة قيّد من حرية حركة تلك الجماعات وقدراتها الميدانية، لكن التهديد بحد ذاته لا يزال قائماً.
هذا التهديد يستهدف مراكز السيطرة والقيادة في عدة مناطق عراقية، ويشكل خطراً داهماً يمسنا نحن في إقليم كوردستان؛ ففضلاً عن التهديد الإرهابي المباشر، عانينا من موجات نزوح ولجوء بشرية واسعة نحو الإقليم شكلت ضغطاً هائلاً على البنية التحتية والقطاعات الخدمية. ورغم آمالنا وتوقعاتنا بألا تتكرر تلك المشاهد، إلا أن غياب الاستقرار يخلق تداعيات حتمية.
مساعدات التحالف الميدانية كانت منحة مؤقتة لقتال داعش وليست رواتب، ورواتب قواتنا مؤمنة بقرار حكومي ثابت
أزمة غياب منظومات الدفاع الجوي وعرقلة تسليح البيشمركة
ژینو محمد: إذن هذا هو جوهر قلق إقليم كوردستان؟
د. عبد الحكيم خسرو: نعم، هذا جزء أساسي من مخاوف الإقليم؛ لأننا ندرس هذه المسألة من كافة الزوايا: الإنسانية، الاقتصادية، والأمنية.
وحين نتحدث عن حرمان الإقليم من القوة الدفاعية، وتحديداً منظومات الدفاع الجوي؛ فإن طبيعة الحرب الأخيرة وتصاعد استخدام الطائرات المسيّرة (الدرون) والأسلحة التكنولوجية الدقيقة أفرزت نمطاً جديداً من عدم الاستقرار الأمني على مستوى العراق والإقليم.
ژینو محمد: حسناً دكتور، قوات التحالف والولايات المتحدة متواجدة على الأرض منذ عام 2014؛ لماذا لم يُتح لإقليم كوردستان والعراق امتلاك نظام دفاع جوي متطور؟ ولا سيما الإقليم الذي يُعد الحليف الأقرب لواشنطن وصمام الأمان في المنطقة؟
د. عبد الحكيم خسرو: هذه إحدى الملاحظات المستمرة التي كنا وما زلنا نكررها؛ فحين نتحدث عن قوات البيشمركة، نؤكد أنها جزء دستوري ورسمي من المنظومة الدفاعية العراقية. لكن مآخذنا على الحكومة الاتحادية في بغداد كانت دوماً تتمثل في وقوفها حجر عثرة أمام تسليح وتطوير البيشمركة، وتحديداً في ملف تزويدها بمنظومات دفاع جوي وأسلحة رادعة تمكّنها من إدارة الدفاع عن الإقليم.
لقد جرت نقاشات مكثفة مع الجانب العراقي لبحث كيفية سد أي فراغ محتمل قد يخلفه انسحاب التحالف، لضمان التنسيق في نشر هذه المنظومات.
لكنك تعلمين، حتى خلال جولات الصراع الأخيرة والتوتر بين واشنطن وطهران، عمدت بعض الفصائل المسلحة الموالية لجهات إقليمية إلى استهداف رادارات الجيش العراقي نفسه، وهي رادارات فرنسية الصنع كبّدت الدولة مئات الملايين من الدولارات لشرائها بهدف كشف الأجواء!
ژینو محمد: وهل هذه هي ذات الفصائل التي ترفض اليوم تسليم أسلحتها؟
د. عبد الحكيم خسرو: نعم بكل تأكيد؛ فإذا لم تكن تمتلك منظومات رصد جوي للطائرات المسيرة ورادارات فاعلة، فكيف يتسنى لك حماية الأجواء والمنشآت؟
لذلك لا يمكن الادعاء بزوال التهديد؛ فالتهديد حقيقي وقائم، ويفرض امتلاك نظام دفاعي متكامل يتلاءم مع أسلحة المعركة المعاصرة. ورغم أنني لست خبيراً عسكرياً ميدانياً، إلا أن القراءة السياسية والاستراتيجية تؤكد أن العراق كدولة غير مكتمل الجاهزية الدفاعية لصد الهجمات المعقدة الحديثة.
ژینو محمد: باختصار؛ في ظل وجودكم على رأس دائرة التنسيق والمتابعة واطلاعكم الوثيق على التفاصيل الأمنية؛ هل نستطيع القول إنه برحيل التحالف ستصبح تلك الفصائل أكثر شراسة وتطلق يدها باستهداف إقليم كوردستان؟
د. عبد الحكيم خسرو: لو نظرنا إلى مهام التحالف الدولي، سنجد أن بوصلته الميدانية انصبت أساساً على مقاتلة تنظيم داعش. ونادراً ما دخل التحالف في احتكاك مباشر مع تلك الفصائل إلا في حالات الرد الدفاعي عند استهداف القواعد الأمريكية ذاتها.
الولايات المتحدة اعتبرت ملف الفصائل شأناً عراقياً داخلياً يقع حلّه على عاتق الحكومة الاتحادية في بغداد.
لذلك، فإن التحدي الفعلي المطروح أمام القوى السياسية العراقية اليوم هو: كيف ستتعاطى بجدية مع ملف نزع سلاح هذه الفصائل وإخضاعها للقيادة العامة للقوات المسلحة؟
صحيح أن القوى السياسية الشيعية والإطار التنسيقي يعتبرون تنظيم السلاح مشروعاً حكومياً يتبنونه في تصريحاتهم الرسمية، لكن على صعيد التطبيق العملي، لم نلمس خطوات قاطعة تُقنع الفصائل بوضع السلاح جانباً، لا سيما في ظل تداخل هذا الملف مع التجاذبات الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة وأمن الخليج.
بدعة "الإنفاق الفعلي" كانت حصاراً مالياً غير دستوري على موظفي الإقليم.. والمحكمة الاتحادية انتصرت للحقوق المدنية
ژینو محمد: دعنا ننتقل إلى ملف بالغ الأهمية لإقليم كوردستان وشغل الرأي العام لسنوات، وهو أيضاً مطلب ملح لقوات التحالف: مسار توحيد قوات البيشمركة.
كيف جرت هذه العملية؟ ورغم ما يُقال عن تأخرها، إلا أنها خطت خطوات جيدة؛ هل هو مسار جاد شارف على الاكتمال، أم لا تزال هناك عقبات؟
د. عبد الحكيم خسرو: إن مشروع إعادة توحيد وتنظيم قوات البيشمركة هو حلم وواجب تاريخي عكفت عليه القيادة الكوردستانية منذ تأسيس الكيان الدستوري للإقليم.
وقد شكّل هذا الملف بنداً جوهرياً في البرنامج الوزاري للكابينة التاسعة لحكومة إقليم كوردستان برئاسة السيد مسرور بارزاني، استناداً إلى قانون الإصلاح رقم (2) لسنة 2020، الصادر عن برلمان كوردستان.
وعلى ضوء ذلك، تم تشكيل اللجنة العليا لتنفيذ قانون الإصلاح برئاسة السيد رئيس الحكومة.
وقد عُقد الاجتماع النوعي الأول الخاص بإصلاح قوات البيشمركة في 12 تموز/يوليو 2020، حيث وضعت الخطوط العريضة لعملية الإصلاح، وأبرزها:
نقل وتنظيم ملفات التقاعد للبيشمركة.
حصر وضبط ملفات الشهداء وجرحى الحرب وضمان حقوقهم القانونية والإنسانية دون تمييز.
فتح وتوحيد الإضبارات الرسمية لكافة منتسبي القوات.
إعادة هيكلة وتنظيم الوحدات الحسابية والمالية وإخضاع الوحدتين (70 و80) للهيكل المؤسساتي الرسمي لوزارة شؤون البيشمركة.
لقد بُذلت جهود استثنائية من ضباط وكوادر الوزارة وبإشراف مباشر من رئيس مجلس الوزراء لإتمام هذا العمل الجماعي؛ مع التنويه بأن رئاسة الإقليم أيضاً شريك أساسي في دعم هذه الخطوة، مسنودة بالرعاية الاستشارية والفنية والتنظيمية من ضباط التحالف الدولي.
ژینو محمد: أشرتَ إلى أن العملية انطلقت بقانون عام 2020، لكن الملاحظ أن مسار دمج الوحدتين استغرق زمناً أطول؛ هل دخلت التدخلات الحزبية والسياسية على الخط؟
د. عبد الحكيم خسرو: في إطار قانون الإصلاح ومذكرة التفاهم مع التحالف الدولي، كان العمل يسير وفق جدول زمني دقيق في الجوانب العملياتية والتنظيمية.
الأهم هو أننا استطعنا معالجة المظاهر السلبية؛ مثل ضبط قوائم المتقاعدين والشهداء بما يضمن كرامتهم وحقوقهم دون استغلال سياسي.
كما أن الرؤية الثابتة التي رسخها الرئيس مسعود بارزاني كانت تقوم على قدسية اسم البيشمركة، وضرورة أن يكون الانتماء لكوردستان وحدها فوق أي اعتبار حزبي.
لذلك، اتفقت قيادات الوحدتين (70 و80) على العمل تحت المظلة الشرعية لوزارة البيشمركة، وتم اعتماد هيكل عسكري وتنظيمي حديث ومتقدم.
المستحقات المالية ومشروع «حسابي»
ژینو محمد: هل انتهى زمن التدخلات الفردية والحزبية في رواتب وتعيينات البيشمركة، وباتت المرجعية المباشرة والوحيدة هي وزارة البيشمركة؟
د. عبد الحكيم خسرو: دعيني أوضح الواقع المالي والأرقام بدقة: الملاك الإجمالي لوزارة شؤون البيشمركة يبلغ اليوم نحو 148 ألف منتسب.
خلال الشهر الماضي، استلم ما يقارب 142 ألف مقاتل رواتبهم بشكل مباشر ورقمي عبر النظام المصرفي ضمن مشروع «حسابي» (هەژماری من). وهناك قرابة 5 آلاف منتسب استكملوا إجراءاتهم المصرفية وسيصرف لهم عبر النظام في القوائم المقبلة.
هذا يعني عملياً تثبيت كافة ملاكات البيشمركة داخل نظام الرواتب الإلكتروني الشفاف، وتحصين مستحقاتهم المالية بقوة القانون، بحيث لا يملك أي طرف سياسي أو تنفيذي صلاحية المساس براتب أو درجة أي مقاتل؛ فالمرجع المؤسساتي القانوني بات حصراً لوزارة البيشمركة.
ژینو محمد: ماذا عن المنح المالية التي كان يقدمها التحالف الدولي؟ ما هو مصيرها في ظل انتهاء العمليات القتالية، وكيف ستعوضها حكومة الإقليم؟
د. عبد الحكيم خسرو: هناك خلط شائع بين أمرين مختلفين: أموال التحالف لم تكن "رواتب"، بل كانت "منحة مالية للدعم اللوجستي في الحرب ضد داعش".
وهذه المنحة كانت خاضعة لجدول زمني يتضمن خفضاً تدريجياً متفقاً عليه وصولاً إلى إنهائها، وبالتالي لم تكن تشكل الراتب الأساسي للبيشمركة.
رواتب البيشمركة تدفعها حكومة إقليم كوردستان كرواتب ثابتة ومحمية ضمن جداول الموازنة العامة للإقليم شهرياً دون انقطاع.
وعلى المسار الاتحادي، طالبنا رسمياً بأن تتكفل وزارة المالية الاتحادية في بغداد برواتب البيشمركة كجزء دستوري من القوات المسلحة الوطنية، بمبلغ يناهز 900 مليار دينار سنويّاً، إلا أن بغداد قلّصت تلك التخصيصات في موازنة الدفاع، متجاوزة نحو 23 ألف منتسب من الملاكات المستحقة.
مفاوضات الموازنة وبدعة «الإنفاق الفعلي» وقانون النفط والغاز
ژینو محمد: نصل إلى محور بغداد والموازنة؛ زرتم بغداد مراراً ضمن الوفد المفاوض.. هل تخوض بغداد "حرب أرقام" ضد الإقليم لتقليص حصته، أم أن التعاطي يستند إلى معايير قانونية موضوعية؟
د. عبد الحكيم خسرو: حين نتحدث عن بغداد، لا ينبغي النظر إليها ككتلة واحدة متجانسة؛ فهناك مؤسسات تخضع لبيروقراطية معقدة، وأخرى تقودها عقليات مركزية.
في وزارة المالية العراقية، لا يزال الفكر المركزي التقليدي مسيطراً؛ إذ لم تتكيف كوادرها مع بنية وإدارة دولة فيدرالية اتحادية كما نص عليها الدستور.
حصة الإقليم حُددت سابقاً بـ 12.67% استناداً لقرارات إدارية غير دقيقة، في حين أن الإحصاءات السكانية تؤكد أن نسبة كوردستان تقارب 14%.
لكن الطامة الكبرى كانت في ابتكار مبدأ «الإنفاق الفعلي» في بنود الموازنة؛ حيث اشترطت بغداد ألا يُصرف للإقليم أي مبلغ إلا بنسبة ما يتم إنفاقه فعلياً في الدولة!
فإذا تعثرت الإيرادات أو قصرت الدولة في الصرف، يتم حرمان الإقليم وتجميد رواتب موظفيه، في حين أن المحافظات الأخرى تُصرف رواتبها كاملة بغض النظر عن حجم الإنفاق الفعلي!
لقد طعنا في هذا الإجراء المجحف، وجاء قرار المحكمة الاتحادية العليا ليحسم الجدل ويؤكد أن رواتب الموظفين في الإقليم استحقاق دستوري ومدني خالص لا يجوز رهنه بأي خلاف سياسي أو إخضاعه لمعادلة الإنفاق الفعلي.
سلّمنا بغداد مسودة متكاملة لقانون النفط والغاز؛ استئناف التصدير مرهون بتغطية كلف استخراج الشركات العالمية
ژینو محمد: ما هو الموقف بالنسبة لحجم إنتاج وتصدير النفط المتوقع في موازنة 2027، ومصير قانون النفط والغاز الاتحادي؟
د. عبد الحكيم خسرو: حكومة إقليم كوردستان، عبر وزارة الثروات الطبيعية، قدمت رؤيتها ومسودتها الرسمية لمشروع قانون النفط والغاز، وتشاركنا الرؤية ذاتها المحافظات المنتجة كالبصرة وميسان وكركوك بضرورة تفكيك المركزية الصارمة.
أما بخصوص تقديرات الإنتاج والتصدير، فإن حكومة الإقليم ووزارة النفط الاتحادية في حوار مستمر لبحث الواقع الفني لحقول الإقليم؛ لأن عقودنا مع الشركات العالمية مبنية على استثمارات حقيقية وتكاليف استخراج تختلف عن حقول الجنوب؛ فالشركات تحتاج لتغطية نفقاتها وضمان أرباحها، ولا يمكن إجبارها على نمط إنتاج دون حسابات الكلفة.
كما قطع الإقليم شوطاً متقدماً في ربط المنافذ الحدودية بنظام التدقيق الجمركي الآلي (أسيكودا - ASYCUDA)، وأثبتنا جاهزيتنا الفنية، والكرة الآن في ملعب الأطراف الاتحادية لتجاوز القيود السياسية.
ژینو محمد: يبدو أن طريق الحوار لا يزال طويلاً، لكننا نتمنى أن تؤتي هذه الجهود ثمارها لصالح مواطني إقليم كوردستان والعراق عموماً.
شكراً جزيلاً لضيفنا الدكتور عبد الحكيم خسرو، رئيس دائرة التنسيق والمتابعة في حكومة إقليم كوردستان. وشكراً لكم أعزائي المشاهدين على طيب المتابعة، دمتم بخير وإلى اللقاء.