بين شبح الإعدام والتنصل الدولي.. 5700 معتقل نُقلوا من سوريا يواجهون مصيراً مجهولاً في السجون العراقية

أربيل (كوردستان24)- تدق الأوساط الحقوقية الدولية ناقوس الخطر إزاء مصير نحو 5,700 رجل وفتى، من المشتبه بانتمائهم لتنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، نُقلوا مطلع العام الجاري بعملية عسكرية أمريكية خاطفة من شمال شرق سوريا إلى العراق؛ حيث يواجه هؤلاء خطر المحاكمة بموجب قوانين فضفاضة تنتهي بأحكام إعدام جماعية، وسط تفشي الأمراض، ومزاعم بالتعذيب، وتنصل واسع من عشرات الدول عن استعادة رعاياها.

وكشفت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، في تقرير موسع استند إلى إفادات 56 مصدراً من ذوي المعتقلين ومسؤولين عراقيين وغربيين وخبراء أمميين، أن المحتجزين القادمين من 67 دولة يواجهون "متاهة قضائية وإنسانية" في العراق، بعد سنوات من الاحتجاز غير القانوني في سجون "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد).

عملية إجلاء فوضوية

تعود جذور الأزمة إلى الفترة الممتدة بين 21 يناير/كانون الثاني و12 فبراير/شباط 2026، حين باغتت القوات الأمريكية المشهد بنقل 5,704 معتقلين براً وجواً إلى الأراضي العراقية. جاءت الخطوة مدفوعة بمخاوف "القيادة المركزية الأمريكية" من حدوث عمليات فرار جماعية، عقب انسحاب مقاتلي "قسد" من مواقعهم تحت وطأة تقدم قوات الحكومة السورية الانتقالية.

ووصف مسؤولون غربيون عملية النقل بـ"الفوضوية"، مشيرين إلى أن القوات الأمريكية استلمت المعتقلين دون تدقيق في هوياتهم؛ مما أدى إلى الزج بأشخاص لا صلة لهم بالتنظيم في السجون العراقية، من بينهم معارضون سياسيون، ومدنيون احتجزتهم محاكم غير معترف بها في سوريا بتهم ملفقة، وفتيان لم يبلغوا سن الرشد.

كارثة صحية وزنازين مكتظة

استقر المعتقلون في سجن "الكرخ المركزي" شديد الحراسة (معسكر كروبر سابقاً) قرب مطار بغداد، وهو موقع لم يسلم بدوره من استهدافات الطائرات المسيّرة التابعة للفصائل المسلحة.
وسرعان ما تحول السجن إلى بؤرة لأزمة صحية وإنسانية بالغة التعقيد؛ إذ كشفت الهيئات المعنية أن الزنازين تعمل بنسبة 158% من طاقتها الاستيعابية، وتفتقر لأدنى شروط التهوية. وأكدت مصادر طبية وحكومية أن نحو 1,100 معتقل وصلوا وهم يعانون من أمراض معدية وخطيرة، على رأسها مرض السل الفتّاك، مما أسفر عن تسجيل 15 حالة وفاة (واحدة خلال النقل و14 داخل السجن)، في حين يندر الغذاء والدواء.

أطفال في قفص الاتهام

من بين أكثر المعطيات إثارة للقلق، وجود أكثر من 440 طفلاً بين المنقولين، أحدهم لا يتجاوز عمره 12 عاماً، بالإضافة إلى نحو ألف شاب اعتقلوا وهم أطفال وظلوا محتجزين لسنوات دون تهمة، بعد فصلهم قسراً عن أمهاتهم في مخيمي "الهول" و"روج".

ومن بين هؤلاء، الشاب الأسترالي يوسف ذهب (22 عاماً)، الذي نُقل إلى سوريا طفلاً في سن الثانية عشرة، وعاش فصولاً من الإصابات والأمراض والاعتقال، لتلغي عملية نقله المفاجئة إلى العراق جهوداً دامت سنوات كانت تبذلها عائلته لاستصدار جواز سفر وإعادته إلى وطنه، وهو المصير ذاته الذي واجهه معتقل كندي ألغت أوتاوا بروتوكول استعادته بمجرد دخوله الأراضي العراقية.

غياب الأدلة وشبهات التعذيب

قضائياً، أعلنت السلطات العراقية انتهاء التحقيقات واقتراب موعد محاكمة البالغين، بما يشمل محاكمة ستة فرنسيين نُقلوا في وقت سابق. إلا أن المعضلة تكمن في أن المعتقلين وصلوا العراق كـ"مجرد أجساد بلا هويات أو ملفات جنائية"، بحسب تعبير مسؤولين عراقيين، مما يجعل إثبات صلتهم بالجرائم أمراً في غاية التعقيد.

وتعتزم المحاكم العراقية مقاضاتهم استناداً إلى قانون مكافحة الإرهاب لعام 2005، وهو قانون يفرض عقوبة الإعدام على مجرد "الانتماء" دون اشتراط ارتكاب أفعال دموية محددة. ويثير هذا الإجراء مخاوف حقوقية كبرى من أحكام إعدام تعسفية تفتقر لضمانات المحاكمة العادلة، لا سيما في ظل اختصاص قضائي مشكوك فيه، حيث لم يسبق لمعظم الأجانب أن وطأت أقدامهم العراق.
في موازاة ذلك، برزت مزاعم مقلقة حول استخدام التعذيب لانتزاع اعترافات قسرية، شملت ادعاءات تقدم بها 13 فرنسياً ومعتقلون آخرون تحدثوا عن تعليق بالبكرات، وخنق، وضرب، وتهديد بالاغتصاب؛ ورغم نفي السلطات القضائية العراقية لهذه التهم وترجيحها أن تكون الكدمات "حِيلة مفتعلة"، فإنها تعهدت بفتح تحقيقات بالشكاوى المقدمة.

عبء ثقيل وتنصل دولي

تتوزع جنسيات المعتقلين على 67 دولة؛ يتصدرهم السوريون بنحو (3,500)، يليهم العراقيون (نحو 2,200)، ثم جنسيات من تونس، المغرب، تركيا، روسيا، مصر، السعودية، ودول غربية.
وأمام هذا الطوفان البشري، يجد العراق نفسه وحيداً في مواجهة الأزمة؛ إذ طالب بغداد بتمويل دولي أولي لا يقل عن 250 مليون دولار لتغطية نفقات الاحتجاز والمحاكمات، غير أن الدعم الدولي ظل شحيحاً واقتصر على إمدادات أمريكية محدودة ومساهمة بريطانية متواضعة (نحو 540 ألف دولار).

وعبّر علي ضياء، معاون رئيس المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي في العراق، عن الموقف العراقي بحزم قائلاً: "على المجتمع الدولي أن يتحرك ويتحمل مسؤولياته تجاه رعاياه.. نحن نبحث عن دعم ملموس على الأرض، لا عن ورش عمل ومؤتمرات إنشائية".

وتواجه الدول التي ينتمي إليها المحتجزون اتهامات بـ"النفاق القانوني"؛ إذ تفضل ترك رعاياها يواجهون الإعدام في العراق لتفادي الأكلاف السياسية والأمنية لإعادتهم ومحاكمتهم محلياً. كما تبرز معضلة "الإعادة القسرية" لمعتقلين من قومية الأويغور المسلمة يواجهون خطر الإرسال إلى الصين حيث تنتظرهم جرائم ضد الإنسانية، أو إرسال مصريين وروس إلى بلدان ذات سجل قاتم في التعذيب.

تؤكد المنظمات الحقوقية أن إنصاف ضحايا "داعش" لا يمكن أن يمر عبر بوابات العدالة الانتقامية والانتهاكات المنهجية. وحثت ليتا تايلر، المستشارة الأولى في "هيومن رايتس ووتش"، حكومات العالم على التوقف عن إلقاء أعبائها على عاتق بغداد: "إن نقل هؤلاء الصبية والرجال إلى العراق ليس حلاً بحد ذاته؛ يجب على الدول استعادة مواطنيها فوراً، ومحاكمة المتورطين منهم في محاكمات عادلة تحترم المعايير الإنسانية، وحماية الأطفال باعتبارهم ضحايا في المقام الأول".