كارل ديسيروث.. طبيب نفسي قاد ثورة في علوم الدماغ ويجد توازنه في حياة الأسرة

أربيل (كوردستان24)- في الوقت الذي يقضي فيه كثير من العلماء سنوات طويلة داخل المختبرات بحثاً عن إجابات لأسئلة معقدة، جمع عالم الأعصاب والطبيب النفسي الأميركي كارل ديسيروث بين البحث العلمي والممارسة الطبية والحياة العائلية، ليصبح أحد أبرز الأسماء في مجال دراسة الدماغ وآليات عمله.

ومن مختبراته في جامعة ستانفورد، قاد ديسيروث أبحاثاً أسهمت في تغيير طريقة العلماء في فهم الخلايا العصبية والدوائر الدماغية، مستفيداً من تقنيات تعتمد على الضوء لرصد نشاط الخلايا العصبية والتحكم فيه، إلى جانب تطوير تقنيات متقدمة أتاحت للباحثين دراسة بنية الدماغ بصورة أكثر وضوحاً.

من عيادة الطب النفسي إلى مختبر الأعصاب

بدأ اهتمام ديسيروث بالدماغ من تجربته طبيباً نفسياً، حيث تعامل مع مرضى يعانون اضطرابات نفسية وعصبية معقدة، بينها الاكتئاب واضطرابات أخرى تؤثر في وظائف الدماغ والسلوك.

وأظهرت له الممارسة السريرية محدودية بعض الأساليب المتاحة لفهم هذه الاضطرابات وعلاجها، الأمر الذي دفعه إلى البحث بصورة أعمق في الطريقة التي تعمل بها الخلايا العصبية وتتواصل داخل الدماغ.

ومن هنا انتقل جزء أساسي من اهتمامه إلى المختبر، حيث سعى إلى تطوير أدوات تتيح للعلماء دراسة نشاط الخلايا العصبية بصورة أكثر دقة، وربط ذلك بالأعراض والسلوكيات المرتبطة بالأمراض النفسية.

الضوء أداة لفهم الدماغ

يُعد ديسيروث من أبرز العلماء المرتبطين بتطوير علم البصريات الوراثي، أو Optogenetics، وهو مجال يجمع بين علم الأعصاب والهندسة الوراثية والضوء.

وتعتمد التقنية على إدخال بروتينات حساسة للضوء إلى خلايا عصبية محددة، بما يسمح للباحثين بتنشيط هذه الخلايا أو تثبيطها عند تعريضها للضوء.

وأحدثت هذه الطريقة تحولاً في أبحاث علوم الأعصاب، لأنها منحت العلماء قدرة أكبر على دراسة العلاقة بين نشاط مجموعات محددة من الخلايا العصبية والسلوك، بما في ذلك دوائر مرتبطة بالخوف والمكافأة والذاكرة.

كما فتحت التقنية آفاقاً جديدة أمام دراسة الاضطرابات العصبية والنفسية، وإن كان تحويل هذه النتائج البحثية إلى علاجات سريرية واسعة النطاق لا يزال مجالاً للبحث والتطوير.

محاولة لرؤية الدماغ بصورة مختلفة

لم يقتصر عمل ديسيروث على التحكم في نشاط الخلايا العصبية، بل شمل أيضاً تطوير وسائل تساعد العلماء على رؤيتها ودراسة الروابط بينها.

ومن أبرز التقنيات المرتبطة بمختبره تقنية CLARITY، التي تعتمد على معالجة الأنسجة وإزالة بعض مكوناتها الدهنية التي تمنع مرور الضوء، ما يجعل أنسجة الدماغ أكثر شفافية ويسمح بدراسة بنيتها الداخلية باستخدام تقنيات التصوير المتقدمة.

وقد أتاحت هذه المنهجية للباحثين دراسة الشبكات العصبية داخل عينات الدماغ بصورة أكثر تفصيلاً، بما يساعد على فهم التنظيم المعقد للدوائر العصبية.

عالم يكتب عن مرضاه

إلى جانب عمله العلمي والطبي، ظهر الجانب الإنساني من شخصية ديسيروث في كتابه «الإسقاطات: قصة المشاعر البشرية» (Projections: A Story of Human Emotions)، الذي جمع فيه بين خبرته طبيباً نفسياً وتأملاته في التجربة الإنسانية.

ويتناول الكتاب حالات وقصصاً من عالم الطب النفسي، محاولاً الاقتراب من التجارب الداخلية للمرضى وفهم المشاعر والسلوك من زاوية تجمع بين الطب والعلم والبعد الإنساني.

بين المختبر والمنزل

ورغم انشغاله بالبحث العلمي والعمل الأكاديمي والطب النفسي، يولي ديسيروث حياته العائلية حضوراً واضحاً. وهو متزوج من عالمة الأعصاب ميشيل مونجي، ولديهما خمسة أطفال.

وتكشف هذه الحياة اليومية جانباً مختلفاً من شخصية عالم ارتبط اسمه بأبحاث الدماغ الأكثر تعقيداً؛ فخارج المختبر، تتخذ المسؤوليات شكلاً أكثر بساطة، من رعاية الأطفال إلى إعداد وجباتهم المدرسية وتنظيم تفاصيل الحياة العائلية.

وبين مختبر يسعى إلى فك بعض ألغاز الدماغ البشري، ومنزل يحمل مسؤوليات الأسرة والأبوة، تبدو مسيرة كارل ديسيروث مثالاً على إمكانية اجتماع البحث العلمي المتقدم مع حياة شخصية تحافظ على صلتها بالتفاصيل اليومية والإنسانية.

وفي النهاية، لا تختصر أهمية ديسيروث في تقنية واحدة أو اكتشاف منفرد، بل في مسار علمي جمع بين خبرة الطبيب النفسي وشغف عالم الأعصاب، وأسهم في تطوير أدوات جديدة لفهم أحد أكثر أعضاء جسم الإنسان تعقيداً: الدماغ.