انطلاق الدورة الثانية لمهرجان نينوى السينمائي الدولي في الموصل
أربيل (كوردستان24)- افتُتحت على مسرح جامعة الموصل العريقة، مساء الخميس، فعاليات الدورة الثانية من "مهرجان نينوى السينمائي الدولي"، وسط حضور لافت ومشاركة واسعة لنخبة من الفنانين وصناع السينما العراقيين والعرب والأجانب، في تظاهرة ثقافية بارزة عكست تعافي المدينة، وتطلعها لاستعادة مكانتها التاريخية كحاضنة للإبداع على ضفاف دجلة ومهد لحضارة نينوى والآشوريات القديمة، متجاوزةً سنوات الحرب وآثار الدمار.
وشهد حفل الافتتاح حضوراً رسمياً وفنياً رفيعاً؛ تقدمه محافظ نينوى عبد القادر الدخيل، ومستشار رئيس الوزراء العراقي للشؤون الثقافية الشاعر عارف الساعدي، ونقيب الفنانين العراقيين جبار جودي، إلى جانب الرئيسة الفخرية للمهرجان الفنانة إيناس طالب، ومؤسس المهرجان ومديره المخرج ليث عسكر، فضلاً عن عدد كبير من المبدعين والضيوف وطلبة الجامعة.
وفي كلمته الافتتاحية، أكد محافظ نينوى عبد القادر الدخيل أن استضافة المهرجان تمثل امتداداً لدور الموصل التاريخي في احتضان الفكر، مشيراً إلى أن السينما "لغة إنسانية تجمع الشعوب وتقرّب المسافات وتخلّد الذاكرة للأجيال"، داعياً الوفود المشاركة إلى نقل الصورة الحقيقية لتعافي المدينة وانفتاحها الثقافي إلى بلدانهم.
من جانبه، شدد مستشار رئيس الوزراء للشؤون الثقافية، الدكتور عارف الساعدي، على دور الثقافة في إعادة إعمار المدن المحررة واستبدال ركام الخراب بجماليات الحياة. ولم يقتصر حديث الساعدي على الاحتفاء بالحدث، بل وجّه دعوة صريحة ومباشرة إلى الحكومة المحلية لإنشاء دور عرض سينمائية دائمة في الموصل، مؤكداً ضرورة ألا ينتهي الحراك الفني بانتهاء أيام المهرجان، مع توفير بنية تحتية تدعم إنتاج الأفلام وتمكّن المواهب الشبابية من تحويل أفكارها إلى مشاريع حقيقية.
بدوره، ثمّن نقيب الفنانين العراقيين جبار جودي المبادرة، مبرزاً أهمية الدعم المشترك الذي حظي به المهرجان من رئاسة الوزراء ومحافظة نينوى والنقابة، بوصفه نموذجاً للشراكة المؤسسية التي تجعل من الاستثمار في الفن استثماراً حقيقياً في وعي الإنسان وتنمية المجتمع.
في السياق ذاته، اعتبرت الرئيسة الفخرية للمهرجان، الفنانة إيناس طالب، أن نينوى بتاريخها العريق قادرة على تشكيل فضاء سينمائي جديد، مؤكدة أن السينما توفر جسراً للتواصل وتجمع الثقافات تحت سماء واحدة بلغة إنسانية تعبر الحواجز والصور النمطية.
وعلى صعيد المنافسة، كشف مدير المهرجان المخرج ليث عسكر أن هذه الدورة شهدت قفزة نوعية في المشاركة الدولية؛ حيث استقبلت الإدارة 529 فيلماً من 65 دولة، استقرت لجان الفرز على اختيار 28 فيلماً منها للتنافس على خمس جوائز رسمية.
وترأس لجنة التحكيم الفنان المصري القدير أحمد بدير، بعضوية كل من: الفنان والأكاديمي العراقي إحسان دعدوش، والمخرج السوري مهند كلثوم، والفنان العُماني محمد العجمي، والسينمائية الروسية ميلوشا إيتوغنوفا.
واستُهلت عروض المهرجان بالفيلم المصري "الجواهرجي" (بطولة محمد هنيدي، منى زكي، لبلبة، وإخراج إسلام خيري)، وأعقبه ندوة نقدية بحضور مؤلفه الكاتب عمر طاهر.
ويعكس هذا الحضور المصري عمق العلاقات السينمائية التاريخية الممتدة بين القاهرة وبغداد منذ بواكير الإنتاج العراقي، والتي تجسدت في أعمال مشتركة رائدة مثل فيلم "ابن الشرق" عام 1946.
وشكّل الفيلم الكوردي "تورن" للمخرج نوزاد شيخاني محطة إنسانية بارزة في المهرجان؛ إذ يعالج العمل مأساة الإيزيديين وجرائم تنظيم داعش الإرهابي بحقهم، مجسداً قدرة الفن على مقاومة النسيان والانتصار للضحايا.
وتعود فكرة الفيلم إلى لقاء المخرج بإيزيديين فقدوا صلتهم بهويتهم في أرمينيا، ما دفعه لتوثيق هذا الجرح عبر قصة عائلة إيزيدية من جورجيا تمثل ثلاثة أجيال، لتأتي مشاركته في الموصل كرسالة بالغة الدلالة عن التعايش والتضامن الإنساني فوق الأرض ذاتها التي عانت ويلات التطرف.
وتخلل حفل الافتتاح تكريم عدد من رواد السينما والمبدعين تقديراً لمسيرتهم وعطائهم الفني؛ بهدف ربط الأجيال الشابة بالخبرات المتراكمة.
واختتمت التغطيات بالتأكيد على أن الرهان الحقيقي للمهرجان لا يقف عند عروض الأفلام والندوات التخصصية فحسب، بل في تحويل هذه التظاهرة إلى مشروع ثقافي مستدام يرتكز على ورش التدريب، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وإعادة تأهيل المسارح وصالات السينما، لتثبت الموصل مجدداً أن نهضة المدن لا تكتمل بترميم جدرانها فقط، بل بإحياء ذاكرتها واحتضان مبدعيها.