تحصينات واستنفار في إيران تحسباً لضربات أمريكية محتملة
أربيل (كوردستان 24)- تعمل إيران، على تعزيز تحصيناتها الدفاعية واستنفار قواعدها الشعبية، ملوّحة برد أوسع وأشد قسوة ضد الولايات المتحدة وحلفائها في منطقة الخليج، في إطار مساعيها للتحضير لهجمات أمريكية محتملة وردعها عقب انتخابات التجديد النصفي المرتقبة.
وحذر مسؤولون إيرانيون، في تصريحات علنية ومحادثات غير معلنة مع مسؤولين إقليميين، من أن طهران ستتجه نحو تصعيد أوسع في عموم الشرق الأوسط في حال شنت واشنطن ضربات جديدة. وتكشف صور الأقمار الاصطناعية تدابير متسارعة لتعزيز المواقع الحساسة والمنشآت النووية والمناطق الحدودية لرفع قدرتها على الصمود، بالتوازي مع حملة تعبئة عامة لتهيئة المجتمع لجولة قتال جديدة، شملت إرسال عناصر شبه عسكرية إلى رياض الأطفال، والإعلان عن دورات تدريبية لاستخدام الصواريخ المحمولة على الكتف، وتنظيم مسيرات شعبية.
ردع في ظل اختلال التوازن الجوي
تأتي هذه التحركات والخطاب المتشدد في وقت تفتقر فيه طهران للقدرة الكافية على التصدي للطائرات المقاتلة الأمريكية المتطورة، أو القاذفات بعيدة المدى، أو صواريخ كروز؛ الأمر الذي يدفعها لمحاولة تعويض هذا النقص عبر سياسة الردع بالتهديد المباشر. كما يسهم هذا الخطاب التصعيدي في لفت الأنظار عن تفاقم الأزمات الاقتصادية الداخلية التي يعيشها السكان، مع تشديد واشنطن لعقوباتها وممارستها ضغوطاً مكثفة على شركات الطيران لوقف رحلاتها إلى المدن الإيرانية ضمن إجراءات تشديد الحصار.
وفي هذا السياق، ترى مديرة برنامج الشرق الأوسط في مركز "تشاتام هاوس" في لندن، سنام فاكيل، أن الاستعداد لحالة الحرب يوفر متنفساً مؤقتاً لصناع القرار في طهران للخروج من المأزق الدبلوماسي والاقتصادي والسياسي الداخلي الراهن، معتبرة أن التصعيد الجديد يُعد محاولة لكسر حالة الانسداد السياسي.
تهديدات تطال منشآت الطاقة والبنية الرقمية في الخليج
وفي إطار مساعي الردع، لوّح مسؤولون إيرانيون بإمكانية شن توغلات برية في دول الجوار. وصرح المسؤول الأمني البارز، محسن رضائي، أن طهران قادرة على استهداف الإمارات، فضلاً عن ضرب مراكز البيانات وكابلات الإنترنت الحيوية في المنطقة.
كما أبلغت طهران مسؤولين في دول عربية بأنها قد تضرب أهدافاً حيوية، تشمل منشآت النفط السعودية، في حال تجدد الصراع، وهو ما يزيد من حجم الضغوط الأمنية بالتزامن مع الهجمات التي ينفذها مسلحو جماعة الحوثي، والذين استهدفوا مطار العاصمة السعودية مطلع الأسبوع بهجوم صاروخي أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 13 شخصاً وإصابة المئات.
وفي مياه الخليج ومحيط مضيق هرمز، صعدت إيران من استهداف السفن التجارية؛ حيث أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية التابعة للبحرية الملكية باستهداف ثلاث سفن تجارية على الأقل مؤخراً. وأسفر هجوم بطائرة مسيرة قرب سواحل عُمان عن اندلاع حريق في ناقلة النفط الإماراتية "بيترو دولفين"، وفقدان اثنين من بحارتها. كما نقلت مصادر مطلعة أن طهران أبلغت أطرافاً وسيطة بأنها ستستهدف القوات الأمريكية بشكل أكثر حسماً، بما يشمل محاولات لإغراق سفن حربية تابعة للبحرية الأمريكية وإيقاع خسائر بشرية في صفوف طواقمها.
التحشيد العسكري وخيارات واشنطن
في المقابل، واصلت القوات المسلحة الأمريكية استعداداتها لاحتمال استئناف العمليات العسكرية؛ حيث تتجه مجموعة هجومية لحاملة طائرات ثالثة ووحدة استكشافية إضافية من مشاة البحرية نحو الشرق الأوسط، في حين تدرس وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) نشر منظومات دفاع جوي وذخائر إضافية في قواعدها بالمنطقة.
ورغم استبعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شن هجوم عسكري قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر، إلا أنه طرح علناً خيار توجيه ضربات لمنشأة "بيك آكس ماونتن" (Pickaxe Mountain) النووية في إيران، وسط تأكيدات من مسؤولين أمريكيين بإعداد خيارات عسكرية متعددة للتعامل مع الموقف.
وتعكس هذه التطورات وصول النزاع المستمر منذ أكثر من سبعة أشهر إلى حالة من الجمود الميداني دون تنازل أي طرف، حيث تسعى واشنطن لتشديد الخناق الاقتصادي وضمان تأمين ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، بينما تواصل إيران التلويح بأوراق الضغط الإقليمية. وكان البنتاغون قد نقل سرباً يضم نحو 12 قاذفة من طراز (B-1) من قاعدة عسكرية في بريطانيا، إثر مخاوف استخباراتية من تخطيط الحرس الثوري الإيراني لهجمات عبر الطائرات المسيرة.
إجراءات دفاعية وتعبئة في الداخل الإيراني
وكانت المواجهات المباشرة قد علقت إلى حد كبير منذ أواخر تموز/يوليو الماضي بعد مراجعة واشنطن لخطط التصعيد لحسابات تتعلق بمخزونات الصواريخ الاعتراضية في المنطقة. واستغلت طهران هذه التهدئة لإعادة تأهيل منشآت تصنيع الصواريخ والطائرات المسيرة وتجديد ترسانتها العسكرية، في خطوة أشاد بها المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي، مع إقراره بوجود تحديات لوجستية في سلاسل الإمداد.
وأظهرت تحليلات صور الأقمار الاصطناعية التي أجراها معهد العلوم والأمن الدولي، ومقره واشنطن، قيام إيران بتعزيز الحماية حول منشآتها النووية الحساسة ومخابئها الأمنية تحت الأرض، ومنها منشأتا "نطنز" و"بيك آكس ماونتن"، عبر تدابير دفاعية سلبية تشمل حواجز ترابية مخصصة لإعاقة أي عمليات اقتحام أو إنزال بري.
وأكد رئيس منظمة الدفاع المدني الإيراني، غلام رضا جلالي، تهيئة المطارات والموانئ ومحطات الطاقة في البلاد لظروف الحرب، وتزويدها بالملاجئ والإمدادات البديلة لضمان استمرار تشغيلها أثناء الأزمات.
وعلى الصعيد الاجتماعي، وسعت وسائل الإعلام الرسمية تغطيتها للمسيرات المؤيدة للحكومة، ورفعت لافتات في طهران تعلن عن دورات تدريبية للمدنيين لاستخدام صواريخ الدفاع الجوي المحمولة وبنادق القنص. كما أعلنت قوات "الفاتحين" التابعة لوحدات "الباسيج" تخريج أولى دفعات المقاتلات الإناث المدربات على تكتيكات حرب العصابات واستخدام الأسلحة وقيادة الطائرات المسيرة، إلى جانب تنظيم فعاليات في مدن مختلفة، منها مدينة سبزوار، شملت عرض بقايا صاروخ "توماهوك" أمريكي أمام أطفال المدارس للترويج لروايات القتال السابقة.
ويرى مدير برنامج إيران في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، بهنام بن طالب لو، أن السلطات في إيران تعمل بالقول والفعل على التحضير للجولة القادمة من الصراع؛ مما يجعل إجراءاتها الحالية جزءاً متكاملاً يجمع بين فرض الردع والتخطيط الفعلي لخوض الحرب.
المصدر: The Wall Street Journal