دراسة موسعة: أضرار مرض ألزهايمر قد تبدأ من العقد اللمفاوية خارج الدماغ
أربيل (كوردستان 24)- كشفت دراسة علمية متخصصة نُشرت في دورية "نيتشر نيوروساينس" (Nature Neuroscience)، عن معطيات جديدة تُشير إلى أن الخلايا المناعية التدميرية المرتبطة بمرض ألزهايمر تتلقى أوامر الهجوم والتنشيط من خارج الدماغ وليس من داخله، وتحديداً من العقد اللمفاوية.
دور الجهاز المناعي وتراجع النظريات التقليدية
لسنوات طويلة، ركزت الجهود البحثية العالمية على إزالة التشابكات البروتينية السامة، مثل "الأميلويد" و"التاو"، المتراكمة داخل أنسجة الدماغ لوقف تطور مرض ألزهايمر، إلا أن تلك المحاولات لم تحقق سوى نجاحات محدودة. لكن الأبحاث الحديثة سلّطت الضوء على دور الجهاز المناعي كعنصر حاسم في التدهور العصبي، بعدما ظل الغموض يكتنف ما إذا كانت استجابته تعمل كدرع واقٍ أم كعامل تأجيج للمرض.
وكان الباحث في كلية الطب بجامعة واشنطن في سانت لويس، ديفيد هولتزمان، وفريقه قد رصدوا في عام 2023 تجمع خلايا المناعة من نوع "الخلايا التائية" (T cells) حول تشابكات بروتين "تاو"، ووجدوا أن منع تدفق هذه الخلايا إلى الدماغ خفّض معدلات الالتهاب وحدّ من تلف الخلايا العصبية. وظل التساؤل العلمي المطروح هو ما إذا كانت تلك الخلايا التائية تدخل الدماغ تلقائياً أم يجري تحفيزها مسبقاً وتوجيهها نحو الهدف.
آلية التنشيط في العقد اللمفاوية
توضح الدراسة الجديدة أن مرحلة "تجهيز وتجنيد" الخلايا التائية تتولاها مجموعة خلايا مناعية تُعرف بـ"الخلايا التغصنية" (Dendritic cells)، وهي خلايا تلتقط المؤشرات الحيوية الدالة على وجود تهديدات جسدية وتُصدر الأوامر للخلايا التائية بالتكاثر والانتشار.
وعند تتبع مسار هذا الهجوم المناعي، وجد الفريق البحثي أن نسبة الخلايا التغصنية داخل أدمغة فئران التجارب كانت ضئيلة للغاية؛ في حين تم رصد انتقال بروتينات دماغية حاملة لإشارات التهديد إلى العقد اللمفاوية خارج الدماغ، وهناك استقبلتها الخلايا التغصنية واستخدمتها لتحريض وتوجيه الخلايا التائية لمهاجمة الأنسجة الدماغية.
نتائج التجارب المخبرية
أجرى الفريق مقارنة بين مجموعتين من الفئران المعدلة جينياً للإصابة بتلف عصبي مرتبط ببروتين "تاو"، حيث جُرّدت المجموعة الأولى من الخلايا التغصنية، فيما احتفظت المجموعة الثانية ببنيتها المناعية الطبيعية.
وأظهرت النتائج أن فئران المجموعة الأولى احتفظت بمستويات مرتفعة من بروتين "تاو" السام في أدمغتها عند بلوغها مراحل الشيخوخة، لكنها بقيت في مأمن من التدهور العصبي، وتمكنت من أداء مهامها الإدراكية (مثل مهارات بناء الأعشاش) بكفاءة تفوقت بها على المجموعة الأخرى. كما سجّلت أدمغتها انخفاضاً حاداً في أعداد الخلايا التائية المتدفقة إليها.
وفي خطوة أخرى لتأكيد الآلية، طوّر الباحثون فئراناً تحمل طفرات جينية تعطل قدرة الخلايا التغصنية على إعطاء الأوامر للخلايا التائية، وجاءت النتيجة مماثلة؛ إذ احتوت أدمغتها على أعداد أقل بكثير من الخلايا المناعية المهاجمة، وحافظت على تماسك بنيتها الدماغية.
أبعاد علاجية لتجاوز الحاجز الدماغي
من جانبه، شدد هولتزمان على أن تشابكات بروتين "تاو" لا تُحدث الخراب بمفردها، موضحاً أن الجزء الأكبر من التلف ناجم عن رد الفعل الالتهابي المفرط الذي تُطلقه الخلايا المناعية. وأشار إلى ضرورة إجراء دراسات إضافية للتحقق من مطابقة هذه الآلية في أدمغة البشر.
ورغم صعوبة تعطيل الخلايا التغصنية جينياً منذ الولادة لدى الأشخاص المعرضين وراثياً لخطر الإصابة بالمرض، إلا أن فريق العمل يعكف حالياً على تطوير مستهدفات خلوية قادرة على تثبيط نشاط هذه الخلايا في مراحل البلوغ.
وتكمن الأهمية الاستثنائية لهذا الكشف في فتح أفق جديد لتطوير علاجات الخرف وألزهايمر خارج أسوار الجهاز العصبي، ما يسمح بالالتفاف على معضلة "الحاجز الدموي الدماغي" المعقد، والتعامل مع مسببات الالتهاب في العقد اللمفاوية دون الاضطرار لإدخال العقاقير إلى أعماق الدماغ.
المصدر: موقع Science News