مباحثات روسية إيرانية في طهران لبحث الشراكة الاستراتيجية وأمن الخليج
أربيل (كوردستان 24)- أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، اليوم الاثنين 19 تشرين الأول/أكتوبر 2026، التزام موسكو باتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع طهران، مشدداً على أن روسيا أثبتت التزامها بتعهداتها عملياً، وتصدت داخل أروقة الأمم المتحدة للمحاولات الرامية لتبرير استهداف إيران.
وجاءت تصريحات لافروف خلال مؤتمر صحفي مشترك عُقد في العاصمة الإيرانية طهران مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، عقب جولة محادثات وصفها بالبناءة والمثمرة والصريحة، مبيناً أن التنسيق بين الجانبين يرتكز على رغبة مشتركة لتطوير التعاون الثنائي في مختلف المجالات رغم الضغوط الدولية.
تثبيت الشراكة الاستراتيجية والدعم الدبلوماسي
أوضح وزير الخارجية الروسي أن العلاقات بين موسكو وطهران دخلت مرحلة جديدة ذات طابع مؤسسي بعد دخول المعاهدة الأساسية حيز التنفيذ، وهي الوثيقة التي رسخت رسمياً وللمرة الأولى مستوى العلاقات بين البلدين تحت بند "الشراكة الاستراتيجية الشاملة"، مؤكداً أن هذه المعاهدة توفر أقوى أرضية لبناء آفاق مستقبلية مستقرة للتعاون المشترك.
وأضاف لافروف أن بلاده لم تكتفِ بالدعم السياسي والدبلوماسي لمنع تمرير مشاريع قرارات مناهضة لطهران في مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، بل قدمت أيضاً مساعدات إنسانية تضمنت شحنات من المواد الغذائية والمستلزمات الطبية والدوائية.
وفي إطار التنسيق السياسي عالي المستوى، أشار لافروف إلى وتيرة اللقاءات بين قيادتي البلدين، لافتاً إلى عقد قمتين رئاسيتين خلال الأسابيع الأخيرة. وأعرب عن تطلع موسكو لمشاركة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في قمة منتدى الدول المصدرة للغاز (GECF) المزمع عقدها في روسيا خلال الأيام المقبلة.
عودة الخبراء لمحطة بوشهر ومشاريع النقل
وعلى الصعيد الاقتصادي والبنية التحتية، شدد وزير الخارجية الروسي على أن موسكو لا تعتزم بأي شكل التراجع عن تنفيذ الاتفاقيات الاستثمارية المشتركة، موضحاً أن المختصين والكوادر الفنية الروسية بدأت بالعودة التدريجية إلى مشروع محطة بوشهر الكهرذرية لاستكمال مراحل العمل فيها، إلى جانب بحث مجالات أوسع للتعاون في استخراج ونقل مصادر الطاقة الهيدروكربونية.
وفيما يخص مشاريع النقل والربط القاري ضمن ممر "شمال–جنوب"، ذكر لافروف أن الشركات الروسية المنفذة مستمرة في إنجاز الدراسات الهندسية وأعمال الاستكشاف المتعلقة بخط سكة حديد "رشت–آستارا"، مبيناً أن إطلاق العمليات الإنشائية الميدانية للمشروع سينطلق فور استكمال الجانب الإيراني للإجراءات الإدارية وصياغة الوثائق القانونية اللازمة.
وأفاد بأن التعاون الاقتصادي شهد نمواً ملحوظاً، حيث سجل حجم التبادل التجاري ارتفاعاً بنسبة 21% خلال العام الماضي، فيما واصل نموه بنسبة تجاوزت 10% خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، مدعوماً بتطبيق اتفاقية التجارة الحرة بين إيران والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وعقد اجتماعات اللجان المشتركة بالتوازي بين مسؤولي البلدين.
عقيدة أمن الخليج والتكامل الإقليمي
وفي سياق أمن المنطقة، طرح لافروف تفاصيل الرؤية الروسية لأمن منطقة الخليج، مؤكداً أن المبادرة تستند إلى إرساء قواعد عمل جماعي بين الدول الثماني المطلة على مياه الخليج، وهي العراق وإيران والدول الست الأخرى في المنطقة، لتحقيق الاستقرار وبناء الثقة المشتركة عبر آليات تدريجية للأمن الإقليمي وتبادل البيانات العسكرية وضمان المصالح المشتركة.
وبين وزير الخارجية الروسي أن الخطة الأمنية لا تنحصر بدول المنطقة فحسب، بل تفسح المجال أمام "أطراف ميسرة ومسهلة" لتعزيز آليات التطبيق، عبر إشراك الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي كجهات داعمة للحوار المشترك.
كما تطرق إلى الاتفاقيات الإقليمية الموازية، مشيداً بما وُصف بـ "اتفاق مكة" المبرم بين السعودية وباكستان وتركيا باعتباره خطوة لدعم التعاون الإقليمي، لافتاً إلى أن موسكو ستحترم أي قرار تتخذه طهران في حال رغبتها بالانضمام إلى هذه الآليات التنسيقية بما يخدم مصالحها الوطنية.
صيغة "3+3" وملف القوقاز الجنوبي
وفي ملف القوقاز، شدد لافروف على توافق موسكو وطهران بشأن تفعيل منصة التعاون الإقليمي المعروفة بصيغة "3+3"، والتي تضم دول القوقاز الجنوبي الثلاث (أرمينيا، أذربيجان، وجورجيا) إلى جانب الدول الثلاث المجاورة (روسيا، تركيا، وإيران).
وأشار إلى أن معالجة أزمات المنطقة يجب أن تتم عبر دولها المعنية دون تدخلات خارجية تضر بالتوازن الجيوسياسي، مؤكداً أن الإطار السداسي يعد الأنسب لحل الخلافات الحدودية وتعزيز مشاريع النقل والاقتصاد وتحقيق الاستقرار الدائم.
الموقف من النزاع الأوكراني وأسواق الطاقة
وفيما يتعلق بالحرب في أوكرانيا، وجه لافروف شكره للجانب الإيراني لما وصفه بالموقف المتوازن والموضوعي تجاه النزاع، مقدماً عرضاً لنظيره الإيراني حول نتائج العمليات العسكرية ومساعي موسكو لتحقيق أهدافها الميدانية والسياسية.
واتهم وزير الخارجية الروسي الجانب الأوكراني والأطراف الأوروبية الداعمة له بغياب الجدية في الدخول بمفاوضات سلام حقيقية، منتقداً الإجراءات المفروضة في كييف ضد استخدام اللغة الروسية والتضييق على الكنيسة الأرثوذكسية، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن النموذج الإيراني يتيح التنوع اللغوي والثقافي لمختلف المكونات.
وفي ملف الطاقة، جدد لافروف نفي بلاده الاستفادة من اضطرابات أسواق النفط العالمية، مؤكداً حرص موسكو على استقرار أسواق الطاقة وتوازن الأسعار، ووجّه انتقادات للسياسات الغربية وإجراءات الإدارة الأمريكية السابقة بقيادة جو بايدن التي هدفت إلى تقليص إمدادات الطاقة الروسية للأسواق الأوروبية.
التعاون الثقافي والأكاديمي
واختتم لافروف حديثه بالإشارة إلى توسع التبادل الثقافي والعلمي بين الجانبين، مشيراً إلى استئناف عمل المركز الثقافي الروسي في طهران لأول مرة منذ عقود، وإقامة فعاليات ثقافية مشتركة في المدن الروسية، فضلاً عن ارتفاع عدد الطلاب الإيرانيين المبتعثين للدراسة في الجامعات الروسية ليقترب من نحو 10 آلاف طالب وطالبة.
المصدر: ارنا