عواصف الحرارة: ظاهرة مناخية تفوق موجات القيظ وتجتاح 85% من كوكب الأرض
أربيل (كوردستان 24)- كشف تحقيق علمي استقصائي موسع، عن تحول جذري وخطير في النظام المناخي العالمي، تمثل في تطور موجات الحر من حوادث معزولة ومتقطعة كما كانت قبل ستة عقود ونصف، إلى ظواهر مناخية متتالية وعملاقة تغطي مساحات شاسعة من كوكب الأرض لشهور أو لسنوات متواصلة، في نمط مناخي متصاعد أُطلق عليه مصطلح "العواصف الحرارية" (Heat Storms).
وبينما كانت أكبر موجة حر مسجلة في ستينيات القرن الماضي قد غطت نحو 6% فقط من مساحة الكوكب وتحركت لمدة 46 يوماً فوق المحيط الأطلسي وأجزاء من أمريكا اللاتينية وغرب إفريقيا، رصد التحقيق أن أضخم عاصفة حرارية في هذا العقد اجتاحت ما يقارب 85% من مساحة الكرة الأرضية على مدار 367 يوماً متواصلاً، وامتدت حتى خطوط العرض القطبية لتطال تداعياتها المباشرة جميع سكان الأرض تقريباً.
مفهوم جديد لتوصيف الواقع المناخي
وأوضح التحقيق، الذي استندت فيه وكالة "رويترز" إلى مشاورات مع 24 خبيراً في الأرصاد الجوية وبحوث المناخ وتحليل بيانات درجات الحرارة لكل ساعة ولكل يوم منذ عام 1960 عبر أكثر من مليون نقطة شبكية تغطي العالم، أن الاستمرار في وصف هذه الكتل الهائلة بـ"موجات الحر" يشبه وصف الرياح الموسمية العاتية بأنها مجرد "زخات مطر خفيفة".
ولفك التداخل وتوحيد المفاهيم في ظل تباين تعريفات هيئات الأرصاد في العالم—حيث تعتمد الهيئة الوطنية الأمريكية للأرصاد معيار يومين أو أكثر لتحديد موجة الحر، بينما تشترط وكالات في بريطانيا وفرنسا وإسبانيا وأستراليا ثلاثة أيام—اعتمد التحقيق معياراً علمياً دقيقاً بالرجوع إلى بيانات "المركز الأوروبي للتنبؤات الجوية متوسطة المدى". وحُدد النطاق التاريخي لدرجات الحرارة لكل يوم من عام 1961 حتى 1990 لنحو 1.04 مليون مربع شبكي حول العالم؛ وتُصنف الحالة على أنها "موجة حر اعتيادية" عندما تبلغ درجات الحرارة العظمى الشريحة العليا (أعلى 10%) من النطاق التاريخي لمدة خمسة أيام متتالية.
وعلى هذا الأساس، تختلف المعايير جغرافياً؛ فموجة الحر في تموز/يوليو بمدينة إسطنبول تتطلب 78.1 درجة فهرنهايت (نحو 25.6 مئوية) لخمسة أيام متتالية، بينما تتطلب في فينيكس بولاية أريزونا 104.5 درجات فهرنهايت (نحو 40.2 مئوية). كما يختلف الأمر باختلاف الفصول، إذ تصبح عتبة موجة الحر الشتوية في كانون الثاني/يناير 52.2 فهرنهايت في إسطنبول، و69.4 فهرنهايت في فينيكس.
أما "العاصفة الحرارية"، فقد جرى تعريفها بأنها موجة حر عملاقة تتسع لتغطي في ذروتها ما لا يقل عن 1% من مساحة سطح الكوكب، وهي مساحة تناهز نصف مساحة كندا. وقد أظهرت المقارنات الإحصائية قفزة غير مسبوقة؛ ففي الستينيات كانت هذه العواصف نادرة ولا تتجاوز خمس عواصف سنوياً في المتوسط، لكنها ارتفعت في العقد الحالي لتصل إلى نحو 102 عاصفة حرارية تجتاح الأرض كل عام.

سلسلة كوارث متصلة: عاصفة "فيرا" الحرارية
وكشف الرصد المناخي أن كوارث كبرى شهدتها مناطق متباعدة من العالم ارتبطت بعاصفة حرارية فائقة وموحدة أُطلق عليها اسم عاصفة "فيرا" الحرارية، والتي استمرت 367 يوماً متصلاً بين عامي 2023 و2024 مغطية 85% من الكوكب.
وفي أوروبا، ضربت العاصفة أجزاء واسعة وسجلت أرقاماً قياسية تاريخية في بوردو وبودابست وبلباو، حيث بلغت الحرارة في الأخيرة 108.9 درجات فهرنهايت، ما أدى إلى التواء قضبان السكك الحديدية الفولاذية، والتسبب بوفاة أكثر من 10 آلاف شخص زيادة عن المعدلات الطبيعية خلال أسبوع واحد وفق التقديرات الحكومية الأوروبية، وصولاً إلى اضطرار حراس حديقة حيوان في بلجيكا إلى تبريد النمور بلحوم مثلجة.
وفي الفلبين، رفعت العاصفة درجات الحرارة في مانيلا إلى 100.5 درجات فهرنهايت داخل فصول دراسية تفتقر للتكييف، ما تسبب في نزيف حاد للطلاب نتيجة الإجهاد الحراري الشديد. وفي جنوب ولاية لويزيانا الأمريكية، فاقمت العاصفة جفافاً تاريخياً وتسببت في اندلاع أسوأ حرائق غابات تشهدها الولاية منذ الحرب العالمية الثانية بواقع نحو 600 حريق في شهر آب/أغسطس وحده، تلاها تشكل "ضباب كثيف خارق" ناجم عن احتراق المستنقعات أسفر عن تصادم متسلسل ضم 158 سيارة على طريق سريع ومصرع سبعة أشخاص.
كما أسهمت العاصفة الحرارية ذاتها في تغذية الإعصار المتوسطي الذي ضرب ليبيا في خريف 2023، متسبباً في انهيار سدين في مدينة درنة أثناء الليل ومحو أحياء سكنية بالكامل، مخلفاً مشاهد مأساوية لعائلات قضت بأكملها تحت الأنقاض وجرفتها السيول. وفي مكة، دفعت العاصفة الحرارة في المسجد الحرام إلى 125.2 درجة فهرنهايت، مما أسفر عن وفاة أكثر من 1,300 حاج نتيجة ضربات الشمس الحادة. وتزامنت العاصفة كذلك مع أكبر حريق غابات مسجل في تاريخ أوروبا داخل غابة داديا في اليونان، والذي حاصر مهاجرين غير نظاميين ولقوا حتفهم وسط النيران التي شردت حتى الطيور الجارحة من بيئتها.
تداعيات هيكلية وانهيار الموجات الباردة
وأكد جيمس رينويك، أستاذ الجغرافيا الطبيعية في جامعة فيكتوريا في ويلينغتون بنيوزيلندا، أن العواصف الحرارية باتت تشكل "اضطراباً خطيراً للحضارة العالمية"، لافتاً إلى أن الحرارة تمثل أكبر قاتل ناتج عن تغير المناخ، وتجر وراءها مجاعات، وهلاكا، وصراعات على الموارد الشحيحة. ومن جانبه، شدد أنتوني ليزرويتز، مدير برنامج ييل للتواصل بشأن تغير المناخ، على أهمية إطلاق أسماء محددة على العواصف الحرارية كما هو متبع مع الأعاصير الاستوائية، للمساعدة في تتبع آثارها، مشيراً إلى أن الحرارة تودي بحياة ما يقرب من نصف مليون شخص سنوياً في العالم.
وتشير الدراسات إلى أن تأثير هذه العواصف لا يقتصر على الكوارث اللحظية، بل يمتد لآثار بنيوية مدمرة؛ فهي تفاقم مواسم الجفاف، وتؤجج حرائق الغابات من تشيلي إلى أوروبا. كما أثبتت البحوث الطبية أن تعرض النساء الحوامل لمثل هذه الظروف القاسية يزيد من معدلات ولادة أجنة ميتة وارتفاع حالات تسمم الحمل.

وفي مفارقة لافتة، أحدث ارتفاع الحرارة تحولات زراعية؛ إذ باتت سيبيريا تنتج كميات من القمح تقارب إنتاج سلة الغذاء التقليدية لروسيا قرب البحر الأسود، بسبب مساهمة العواصف في فتح مناطق شمالية شاسعة للزراعة، مقابل اشتداد الجفاف وتراجع المحاصيل حول حوض البحر الأسود.
وعلى مستوى الأرقام، ارتفعت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري وزاد تركيز ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي بأكثر من 30% منذ ستينيات القرن الماضي، ما أدى إلى تضاعف المساحة المعرضة للعواصف وموجات الحر على كوكب الأرض بأكثر من 12 ضعفاً، بموازاة دور ظاهرة "النينيو" في تسريع هذه الديناميكية. وفي المقابل، أظهر الرصد تراجعاً دراماتيكياً في الظواهر المعاكسة؛ حيث انكمشت الرقعة الجغرافية للموجات والعواصف الباردة بنسبة تقارب 80% في أيام الشتاء المعتادة مقارنة بالماضي.
متوالية مستمرة منذ 18 عاماً
وأوضح التقرير أن أخطر تحول يرصده العلماء يكمن في اندماج العواصف الحرارية وتتابعها دون انقطاع. فبينما كان متوسط مدة الموجات المتتالية يبلغ نحو شهرين في الستينات وتسعة أشهر مطلع الألفية، دخل الكوكب منذ السادس من تموز/يوليو عام 2008 في متوالية عواصف حرارية متصلة لم تتوقف على الإطلاق.
وعلى مدار أكثر من 18 عاماً متواصلاً (6,681 يوماً)، ظل كوكب الأرض واقعاً تحت وطأة عاصفة حرارية واحدة على الأقل في أي لحظة معينة، وفي أحيان كثيرة عدة عواصف متزامنة. وشهدت هذه المتوالية المستمرة ظهور 56 عاصفة حرارية عملاقة تجاوزت مساحة كل منها عُشر مساحة الكوكب (وهي مساحة توازي قارتي أوروبا وآسيا مجتمعتين)، بعد أن كان العالم بأسره لم يشهد سوى خمس عواصف فقط من هذا الحجم الفائق طوال نصف قرن امتد بين عامي 1960 و2008.
المصدر: رویترز