مدرسة سويدية لا تضم سوى طالبين.. حكاية تعليمية تكشف التحولات السكانية في جزيرة أسبو

أربيل (كوردستان 24)- في مشهد نادر داخل القطاع التعليمي في السويد، لم يتبقَّ في مدرسة أسبو الابتدائية، الواقعة في أرخبيل مدينة كارلسكرونا جنوب شرقي البلاد، سوى طالبين يبلغان من العمر 11 عاماً، يتلقيان دروسهما على يد معلم واحد في مدرسة يتجاوز عمرها قرناً من الزمن.

وبدأت المدرسة العام الدراسي بسبعة طلاب، قبل أن ينتقل خمسة منهم تدريجياً إلى مدارس أخرى، على خلفية انتقال عائلاتهم، لينخفض العدد إلى طالبين فقط، قررا مواصلة الدراسة في مدرستهما المحلية، رغم محدودية عدد زملائهما.

وتسلط هذه الحالة الضوء على التحديات التي تواجه المدارس في المناطق الصغيرة، في ظل التغيرات السكانية وتراجع أعداد الأطفال مقارنة بكبار السن، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن مزايا التعليم الفردي الذي يتيح للمعلم متابعة احتياجات كل طالب بصورة مباشرة.

معلم واحد وطالبان.. فصل دراسي بطابع عائلي

يقول المعلم السويدي أولا كارليكه، البالغ من العمر 62 عاماً، والذي يعمل في المدرسة منذ 14 عاماً، إن التجربة الجديدة جعلت المدرسة أشبه بعائلة صغيرة، إذ بات قادراً على تخصيص وقت أكبر لكل طالب ومتابعة تقدمه الدراسي عن كثب.

ويشير كارليكه إلى أن انخفاض عدد التلاميذ لم يكن نتيجة مشكلات تعليمية أو ضعف مستوى المدرسة، بل جاء بعد سلسلة من انتقالات الطلاب إلى مدارس أخرى. ويوضح أنه اعتاد العمل بمفرده خلال السنوات الأخيرة، والتدريس لفصول تضم نحو 15 طالباً، لكنه لم يسبق أن واجه فصلاً لا يضم سوى طالبين.

ورغم قلقه الأولي بشأن مستقبل المدرسة، فإن قرار الطالبين البقاء فيها منح التجربة فرصة للاستمرار، وسط أجواء هادئة تختلف كثيراً عن الفصول الدراسية المكتظة.

جزيرة يغلب عليها كبار السن

تكشف البيانات الإحصائية لبلدية كارلسكرونا عن جانب مهم من خلفية هذه الظاهرة. فقد بلغ عدد سكان جزيرة أسبو 522 نسمة في نهاية عام 2025، موزعين على نحو 263 أسرة.

ويبلغ عدد السكان الذين تتجاوز أعمارهم 65 عاماً نحو 238 شخصاً، أي ما يعادل 45.6% من إجمالي السكان، في حين لا يتجاوز عدد الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و15 عاماً 32 طفلاً، بنسبة 6.1% فقط.

وتوضح هذه الأرقام الفجوة الكبيرة بين أعداد كبار السن والأطفال في الجزيرة، وهي إحدى العوامل التي تساعد على تفسير صعوبة الحفاظ على أعداد مستقرة من التلاميذ في المدرسة المحلية.

وعلى مستوى البلدية، تراجعت أعداد السكان من 66 ألفاً و301 نسمة عام 2024 إلى 66 ألفاً و21 نسمة عام 2025، ثم إلى 65 ألفاً و964 نسمة في نهاية يونيو 2026، وفق الأرقام الواردة في التقرير.

لينيا وفيلده.. لماذا يفضلان مدرستهما الصغيرة؟

تقول الطالبة لينيا ماكين، البالغة من العمر 11 عاماً، إن فصلها الدراسي هو «الأصغر والأفضل في السويد»، مشيرة إلى أن أكثر ما يعجبها في المدرسة هو حصولها على مساعدة كبيرة أثناء الدروس، فضلاً عن الضيافة الأسبوعية يوم الجمعة وجودة الطعام الذي يُعد داخل المدرسة.

لكنها لا تخفي أن قلة عدد الطلاب تجعل بعض فترات الاستراحة مملة، إذ لا تجد دائماً ما تفعله بسبب محدودية فرص اللعب والتفاعل مع أقرانها.

أما زميلها فيلده هارتمان أوستراند، البالغ 11 عاماً أيضاً، فلا يفكر في الانتقال إلى مدرسة أخرى، ويرى أن الهدوء والقدرة على الحصول على مساعدة المعلم بصورة مستمرة من أبرز مزايا الدراسة في هذا الفصل الصغير.

وهكذا، يجد الطالبان نفسيهما أمام تجربة تجمع بين الاهتمام التعليمي المكثف ومحدودية الحياة الاجتماعية داخل المدرسة.

قواعد مدرسية لا تتغير رغم قلة الطلاب

على الرغم من أن الفصل لا يضم سوى ثلاثة أشخاص، بينهم المعلم، يحرص كارليكه على تطبيق القواعد التعليمية المعتادة، بما في ذلك رفع اليد قبل الإجابة عن الأسئلة.

ويشرح أن الالتزام بهذه القاعدة يمنح كل طالب فرصة للتفكير والإجابة، بدلاً من أن يبادر أحدهما بالرد قبل أن يتمكن الآخر من صياغة إجابته.

وفي المقابل، تتيح قلة عدد الطلاب إنجاز بعض المهام بسرعة أكبر؛ إذ يستطيع المعلم تصحيح الاختبارات التي يجريها الطالبان في الصباح وإعادة نتائجها إليهما بعد الغداء.

وامتدت خصوصية التجربة إلى الصورة الجماعية السنوية للفصل، إذ رفض الطالبان الانضمام إلى فصل أكبر في مدينة كارلسكرونا لالتقاط الصورة، وفضّلا الاحتفاظ بصورة خاصة بمدرستهما. والتُقطت الصورة في نهاية المطاف للمعلم كارليكه والطالبين فقط، في مشهد يلخص واقع مدرسة يتجاوز تاريخها مئة عام.

وكانت المدرسة قد احتفلت عام 2024 بمرور قرن على تشييد مبناها الأصفر، ونظمت بهذه المناسبة يوماً دراسياً استعاد أجواء التعليم قبل مئة عام، بمشاركة طلاب حاليين وسابقين.

يوم واحد أسبوعياً في مدرسة أكبر

لا تخلو التجربة من تحديات، إذ يقر المعلم بأن وجود طالبين فقط يحد من إمكان تنظيم الأنشطة الجماعية والمناقشات التي تتطلب مشاركة عدد أكبر من التلاميذ، كما يقلل فرص التواصل اليومي مع أطفال آخرين في العمر نفسه.

وللتغلب على هذه المشكلة، يقضي الطالبان يوم الخميس من كل أسبوع في مدرسة روزنفيلدت بمدينة كارلسكرونا، حيث ينضمان إلى فصل للصف الخامس يضم عدداً أكبر من الطلاب، ويشاركان في الدروس والأنشطة الجماعية.

ويوفر هذا الترتيب فرصة للجمع بين مزايا التعليم الفردي في مدرستهما المحلية، والتفاعل الاجتماعي والعمل ضمن مجموعات أكبر في المدرسة الأخرى.

تجربة تعليمية بعيدة عن ضغوط الفصول المكتظة

يرى كارليكه أن التدريس لطالبين فقط يمنحه فرصة مهنية استثنائية، مقارنة بالضغوط التي يواجهها معلمون آخرون بسبب كثافة الفصول وتعدد المسؤوليات وصعوبة تخصيص وقت كافٍ لكل تلميذ.

ويقول إن الشعور بعدم القدرة على تلبية احتياجات جميع الطلاب، الذي يواجهه كثير من المعلمين في المدارس الأخرى، يكاد يكون غائباً عن تجربته الحالية.

لكن هذه الميزة التعليمية تطرح في المقابل تساؤلات بشأن قدرة المدرسة على توفير بيئة اجتماعية متكاملة للأطفال، في ظل محدودية عدد زملائهم داخل الفصل.

هل تنجو المدرسة من خطر الإغلاق؟

رغم الانخفاض الحاد في عدد الطلاب، لا يبدو مستقبل مدرسة أسبو محسوماً حتى الآن. ويشير المعلم إلى وجود خمسة أطفال في مرحلة ما قبل المدرسة، مع توقع التحاق أطفال آخرين خلال السنوات المقبلة، ما قد يساعد على استعادة جزء من أعداد التلاميذ تدريجياً.

وبحسب ما أورده التقرير، لا تملك بلدية كارلسكرونا حالياً خططاً لإغلاق المدرسة، رغم اقتصار طلابها على طفلين فقط.

ويأمل كارليكه أن تسهم البيئة الهادئة التي توفرها الجزيرة في جذب المزيد من العائلات، وأن تستعيد المدرسة أعداداً أكبر من التلاميذ خلال السنوات المقبلة.

وبين فصل دراسي لا يضم سوى طالبين، وجزيرة يشكل كبار السن نحو نصف سكانها، تقدم مدرسة أسبو صورة مصغرة عن التحديات التي تواجه المجتمعات الصغيرة في الحفاظ على مدارسها المحلية، وعن أهمية التوازن بين جودة التعليم واستدامة المؤسسات التعليمية والحياة الاجتماعية للأطفال.