نجوم مصريون من أربيل: نحتاج إلى أعمال مشتركة تنقل حياة المجتمع الكوردي إلى الشاشة العربية

أربيل (كوردستان24)- في مقر نقابة الفنانين بأربيل، اجتمع عدد من نجوم الدراما المصرية مع نقيب الفنانين الكورد في أربيل المخرج هيوا سعاد، عقب مشاركتهم في مهرجان نينوى السينمائي الدولي بمدينة الموصل، ولم يكن اللقاء مجرد مناسبة للترحيب بالفنانين المصريين، بل تحول إلى مساحة لطرح أفكار عملية تستهدف تأسيس مرحلة جديدة من التعاون الفني بين مصر وكوردستان، في السينما والدراما التلفزيونية، بما يفتح آفاقًا أوسع للتبادل الثقافي والإبداعي بين الجانبين.

وبدا اللقاء وكأنه نقطة انطلاق جديدة لإعادة صياغة العلاقة بين الفن المصري والفن الكوردي، بحيث لا تظل الأعمال المصرية هي الحاضرة وحدها على الشاشات الكوردية، وإنما تتاح أيضًا الفرصة أمام الفنانين الكورد للمشاركة في الإنتاج المصري، وأمام الدراما الكوردية للوصول إلى الجمهور العربي من خلال أعمال مشتركة تتجاوز الحواجز اللغوية والثقافية، وتقدم صورة أكثر قربًا وعمقًا عن المجتمع الكوردي وتاريخه وحياته المعاصرة.

الفنان الكبير أحمد بدير، الذي ترأس لجنة تحكيم مهرجان نينوى السينمائي في الموصل، طرح خلال اللقاء مجموعة من الأفكار التي يمكن أن تمثل أساسًا لتعاون جاد بين البلدين، مؤكدًا أهمية الاستفادة من عمق العلاقات التاريخية والثقافية التي تربط مصر بكوردستان، وتحويل هذا الرصيد إلى أعمال درامية تستلهم التاريخ وتقترب من الواقع الاجتماعي والإنساني.

ودعا بدير إلى تنظيم ورش لكتابة السيناريو تجمع كتابًا ومبدعين من الجانبين، بهدف تطوير مشروعات درامية تنطلق من الواقع الكوردي، وتستكشف محطات تاريخية مشتركة، وفي مقدمتها علاقة صلاح الدين الأيوبي بمصر، وما تمثله هذه المرحلة من حضور في الذاكرة التاريخية للمنطقة. كما أشار إلى أهمية التعريف بإسهامات الشخصيات ذات الأصول الكوردية التي عاشت في مصر، وشاركت في تشكيل الحياة الثقافية والفكرية، إلى جانب ما شهدته مصر من حضور لعلماء وأدباء وشعراء ومؤرخين كورد.

ومن هنا، فإن استحضار التاريخ لا ينبغي أن يكون غاية في حد ذاته، بل مدخلًا إلى كتابة أعمال معاصرة تتناول الإنسان الكوردي وعلاقته بمجتمعه، وتفاصيل حياته اليومية، وتحولاته الاجتماعية، وتطلعات أجياله الجديدة. فالدراما الناجحة لا تكتفي باستعادة الماضي، وإنما تجعل منه جسرًا لفهم الحاضر، وتقدم للجمهور شخصيات إنسانية قادرة على التواصل معه، مهما اختلفت اللغة أو البيئة
.
عايدة رياض: مستعدة لتقديم المرأة الكوردية على الشاشة

من جانبها، أعربت الفنانة الكبيرة عايدة رياض عن استعدادها للمشاركة في عمل مصري كوردي مشترك، مؤكدة اهتمامها بتجسيد شخصية المرأة الكوردية في الدراما المصرية والعربية. وأوضحت أنها أُعجبت بما شاهدته في أربيل من تقدم على مختلف المستويات، وما لمسته من ملامح حضارية وثقافية تستحق أن تكون حاضرة على الشاشة، معربة عن أمنيتها في زيارة مختلف محافظات كوردستان والتعرف عن قرب على تنوعها الاجتماعي والثقافي.

وتكتسب هذه الرغبة أهمية خاصة، لأن تقديم المرأة الكوردية في عمل درامي مشترك يتيح فرصة للخروج من الصور النمطية، والتعرف على تجارب النساء وطموحاتهن وأدوارهن داخل الأسرة والمجتمع. كما يمكن أن يفتح المجال أمام حكايات إنسانية مشتركة، تتقاطع فيها قضايا الأسرة والعمل والحب والتغير الاجتماعي، وتكشف عن مساحات التقارب بين المجتمعين المصري والكوردي.

أما الفنان أحمد فتحي، فأبدى بدوره ترحيبه بالمشاركة في عمل يجمع الدراما المصرية والكوردية، مشيرًا إلى أن هذه التجربة لم تحظَ بالقدر الكافي من الحضور في الإنتاج الدرامي، وهو ما يجعلها فرصة لتقديم موضوع مختلف للجمهور، والاستفادة من خصوصية البيئة الكوردية وما تحمله من إمكانات بصرية وإنسانية.

بروتوكولات سابقة تحتاج إلى التفعيل

من جهته، استعاد الفنان سامح الصريطي تجربته السابقة في العمل النقابي، عندما شغل منصب وكيل نقابة المهن التمثيلية في مصر، وسعيه إلى إقامة تعاون فني مع نقابات الفنانين في كوردستان. وأشار إلى أنه سبق أن شارك في توقيع بروتوكولات للتعاون بين الجانبين، وجرى طرح أفكار لتصوير أعمال فنية في مواقع تاريخية، من بينها قلعة أربيل، بما يتيح الاستفادة من القيمة المعمارية والتاريخية لهذه المواقع في الإنتاج السينمائي والتلفزيوني.
غير أن هذه الاتفاقات، بحسب ما أوضح الصريطي، لم تتحول إلى مشروعات إنتاجية بالقدر المأمول، رغم استمرار الرغبة في التعاون. وأكد استعداده، إلى جانب أحمد بدير وعايدة رياض وتامر فرج، للعمل على تفعيل هذه الاتفاقات، بالتنسيق مع الجهات الفنية والنقابية المعنية، وصولًا إلى تشكيل فريق عمل مشترك يضع الأفكار موضع التنفيذ.
وتكشف هذه النقطة عن أحد التحديات الرئيسية التي تواجه التعاون الفني بين البلدين؛ فالرغبة المتبادلة والتصريحات الإيجابية لا تكفي وحدها لإنجاز مشروعات سينمائية وتلفزيونية. المطلوب هو الانتقال من مرحلة الاتفاقات إلى إعداد خطط إنتاج واضحة، تتضمن اختيار النصوص، وتحديد جهات التمويل، وتشكيل فرق العمل، ووضع آليات للتوزيع والتسويق، بما يضمن استمرارية التجربة وعدم ارتباطها بمناسبة عابرة أو لقاء احتفالي.

“الذئاب”.. خطوة على طريق وصول الدراما الكوردية إلى الجمهور العربي

لم تتوقف محاولات التقارب بين الدراما المصرية والكوردية عند حدود اللقاءات النقابية، فقد شهدت السنوات الماضية تجارب هدفت إلى تعريف الجمهور العربي بالإنتاج الكوردي، من بينها دبلجة مسلسل “الذئاب” إلى اللغة العربية، وهو من سيناريو وإخراج مهران شيري، وإنتاج شركة سامبرو للإنتاج الفني في أربيل، بمشاركة مجموعة من الممثلين والممثلات الكورد.

ومثلت هذه التجربة خطوة مهمة في اتجاه فتح نافذة أمام الدراما الكوردية للوصول إلى المشاهد العربي، وإتاحة الفرصة أمام شركات الإنتاج لتسويق أعمالها في أسواق جديدة. فالدبلجة تتيح تجاوز أحد أبرز العوائق أمام انتشار الأعمال التلفزيونية، وهو اختلاف اللغة، كما تساعد الجمهور على اكتشاف أنماط الحكي والبيئات الاجتماعية والشخصيات التي لم تتح له فرصة التعرف عليها من قبل.

لكن الطموح ينبغي أن يتجاوز دبلجة الأعمال الكوردية وعرضها على القنوات العربية، إلى إنتاج مسلسلات مشتركة تتداخل فيها الخبرات المصرية والكوردية، ويشارك فيها ممثلون وكتاب ومخرجون من الجانبين. فالتعاون الحقيقي لا يقوم فقط على نقل العمل من لغة إلى أخرى، وإنما على تبادل الخبرات وتطوير نصوص تستفيد من خصوصية كل مجتمع، وتمنح الفنانين فرصًا جديدة للظهور أمام جمهور أوسع.

وفي هذا السياق، طُرحت فكرة إقامة منتدى مصري كوردي يعنى بالتعاون الدرامي والثقافي، ويعمل على تحويل الأفكار المطروحة إلى مشروعات قابلة للتنفيذ. ويمكن لمثل هذا المنتدى، إذا جرى تأسيسه على أسس واضحة، أن يشكل نواة للتواصل بين المنتجين والمخرجين والمؤلفين والفنانين، وأن يسهم في تنظيم لقاءات وورش كتابة، وعرض مشروعات سينمائية وتلفزيونية، وبناء شراكات إنتاجية مستدامة.

من إذاعة القاهرة إلى مشروع درامي مشترك

واستعاد أحمد بدير جانبًا مهمًا من تاريخ العلاقة الثقافية بين مصر وكوردستان، مشيرًا إلى الدور الذي أدته القاهرة في إتاحة مساحة للإذاعة باللغة الكوردية خلال خمسينيات القرن الماضي، في عهد الرئيس جمال عبد الناصر.

فقد بدأت الإذاعة الكوردية بثها من القاهرة عام 1957، وكان مقرها في البداية بشارع الشريفين وسط العاصمة، قبل انتقالها إلى مبنى ماسبيرو عام 1963. وكان بثها يمتد ساعة يوميًا، من الرابعة إلى الخامسة عصرًا، متضمنًا الأدب والشعر الكوردي، والأغاني والأخبار السياسية، والتاريخ والثقافة، إلى جانب رسائل المستمعين وبرامج متنوعة. وكانت الإذاعة تفتتح بثها بالقرآن الكريم، ثم النشيد القومي الكوردي “أي رقيب”.

وتؤكد هذه التجربة أن التواصل الثقافي بين مصر وكوردستان ليس فكرة طارئة، وإنما امتداد لعلاقة لها جذورها التاريخية، وأن وسائل الإعلام والفنون كانت، ولا تزال، قادرة على بناء جسور التواصل بين الشعوب. وإذا كانت الإذاعة قد أتاحت في وقت سابق مساحة لسماع اللغة الكوردية في القاهرة، فإن السينما والدراما التلفزيونية تستطيعان اليوم نقل الصورة بصورة أكثر اتساعًا، من خلال الحكاية والشخصية والمكان والتجربة الإنسانية.

ومن هنا، تبدو فكرة إنتاج مسلسل مصري كوردي خلال موسم رمضان خطوة تستحق الدراسة والعمل الجاد، وهو ما أبدى أحمد بدير استعداده للمشاركة فيه. ويمكن أن يتناول العمل الحياة الاجتماعية في كوردستان، ويقدم للمشاهد المصري والعربي صورة عن الإنسان الكوردي، وعاداته وتقاليده، وتطلعاته، وتحولات مجتمعه، بعيدًا عن الاكتفاء بالمعلومات التاريخية أو الصور التقليدية.

إن إنجاز مسلسل واحد كل عام، أو مسلسلين إذا توافرت الإمكانات، قد يكون بداية واقعية لبناء تجربة متراكمة، تتيح للجمهور التعرف على المجتمع الكوردي، وتمنح الفنانين المصريين والكورد فرصة للعمل معًا، وتفتح الباب أمام إنتاج سينمائي مشترك في المستقبل.

فالسينما والدراما ليستا مجرد وسيلتين للترفيه، بل أداتان للتعارف الثقافي وبناء الوعي وتعزيز العلاقات بين الشعوب. ومصر، بما تمتلكه من تاريخ طويل في صناعة السينما والدراما وخبرات فنية وإنتاجية واسعة، وكوردستان، بما تتمتع به من تراث ثقافي غني وبيئات بصرية مميزة وطاقات فنية واعدة، تستطيعان تأسيس شراكة متوازنة تحقق الفائدة للطرفين.

ويبقى التحدي الحقيقي هو أن تتحول الأفكار التي طُرحت في أربيل إلى خطوات عملية، تبدأ بورش الكتابة والتنسيق بين النقابات وشركات الإنتاج، وتنتهي بأعمال تصل إلى الجمهور في مصر وكوردستان والعالم العربي. عندها لن يكون اللقاء مجرد حديث عن تعاون مؤجل، بل بداية فعلية لمرحلة جديدة، تنتقل فيها العلاقة من ذاكرة التاريخ إلى شراكة فنية تصنع حكايات المستقبل.