حين تسبق الأعراف القوانين.. ثقافة بارزان البيئية تُحوّل الجبال إلى ملاذٍ آمن للحياة البرية
في مشهدٍ فريدٍ قلّ نظيره، تتجول قطعان الماعز الجبلي والحيوانات البرية في ربوع منطقة بارزان دون وجل؛ لا تفرّ من صياد، ولا تفزع من اقتراب البشر، بل تتعايش معهم كشركاء أصلاء في أرضٍ واحدة. هذا المشهد المألوف في بارزان ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة مسيرة تتجاوز المئة عام من ترسيخ ثقافة بيئية توارثتها الأجيال عن شيوخ بارزان.
إرث الأجداد.. "قطع الغصن كقطع اليد"
على مدى عقود طويلة، سبقت منطقة بارزان المنظومات القانونية الحديثة في سنّ قواعد حماية الطبيعة؛ حيث أرسى شيوخ بارزان مبادئ صارمة تحرّم الصيد الجائر وقطع الأشجار، لتتحول تلك التوجيهات بمرور الزمن إلى عرفٍ اجتماعي وأخلاقي متجذر في وجدان الأهالي.
وفي هذا السياق، يقول الناشط والمهتم بالشأن البيئي، سيروان مزوري: "تُعدّ حماية البيئة في منطقة بارزان ثقافةً راسخة توارثناها كابراً عن كابر، حتى أصبحت أسمى من أي قانون مكتوب. حبنا للطبيعة هنا نابعٌ من أعماق القلب، حتى إننا نشعر بأن من يكسر غصن شجرة فكأنما يقطع يد أحدنا؛ لذا ستبقى حماية محيطنا الطبيعي أولوية قصوى لا مساومة عليها".
شراكة مجتمعية تُسهّل مهام المؤسسات الرسمية
هذا الوعي الجمعي جعل من بارزان نموذجاً بيئياً ملهماً على مستوى إقليم كوردستان والمنطقة عموماً؛ إذ خففت "الحماية الذاتية" التي يمارسها السكان العبء عن كاهل المؤسسات الحكومية، وعززت دور فرق حماية البيئة والشرطة المعنية.
وحول دور المجتمع المحلي في دعم الجهود المؤسساتية، يوضح مدير دائرة بيئة سوران، هژار ماهير: "تسهم هذه الثقافة البيئية العريقة بشكل مباشر في إسناد عمل دائرة البيئة. فالوعي الاستثنائي لدى مجتمع بارزان يذلل العقبات أمام نشر الرسائل التوعوية، ويجعل من عمليات الرقابة وإنفاذ الإجراءات البيئية أمراً سلساً وأكثر فاعلية وتأثيراً".
عهدٌ أبدي مع الطبيعة
في جبال بارزان ووديانها، لا تنفصل سيرة الإنسان عن حكاية الطبيعة؛ فهما وجهان لقصةٍ واحدة عنوانها البقاء، والتوازن، والوفاء لأرضٍ منحت أبناءها الحياة والأمان.
ومع تعاقب الحقب وتبدل الحكومات وتغير القوانين، يظل الميثاق غير المكتوب بين إنسان بارزان وبيئته ثابتاً لا تزعزعه التحديات؛ فالغابات والقمم الشاهقة لم تكن يوماً مجرد تضاريس خلابة، بل هي امتدادٌ لهوية أمة جعلت من الذود عن ترابها وصون كائناتها واجباً مقدساً ورسالة تورث جيلاً بعد جيل.