من قلب صحراء غوبي.. كوردستان 24 توثق أقدم وأكبر محطة بريدية في عهد أسرة هان
أربيل (كوردستان24)- في قلب صحراء غوبي المترامية وعلى امتداد ممر هشي التاريخي بمقاطعة قانسو، حطّت عدسة "كوردستان 24" رحالها عند موقع "شيانشيوانزهي" الأثري، لتنقل تفاصيل أكبر وأكمل مؤسسة بريدية رسمية عُثر عليها من عهد أسرة هان الصينية. هذا الموقع، الذي استمد اسمه من تدفق نبع "شيانشيوان" المجاور، لا يقف مجرد شاهد صامت على حركة القوافل القديمة، بل يُعدّ حفرية حيّة توثق بدقة كيف أدارت الإمبراطورية الصينية حدودها وأمّنت شريان التجارة والدبلوماسية العالمية قبل أكثر من ألفي عام.
ولم يكن اختيار هذه النقطة الجغرافية القاسية في بطن الصحراء محض صدفة، إذ يتمركز الموقع عند السفح الشمالي لجبل اللهيب الممتد من سلسلة جبال سانوي بين مدينتي دونهوانغ وقواتشو على ارتفاع ألف وسبعمئة متر، محاطاً بهيبة الجبال جنوباً ووحشة الرمال شمالاً، ليشكل عقدة استراتيجية محورية في عنق ممر هشي. ومنذ أن أصدر الإمبراطور "وو" من أسرة هان الغربية أوامره بإنشائه في القرن الثاني قبل الميلاد، تحت مسمى "شيانشيوانزهي التابع لمقاطعة دونهوانغ"، استمر هذا الشريان في أداء مهامه لنحو أربعمئة عام متصلة دون انقطاع، عابراً سلالات هان الغربية والشرقية وصولاً إلى فترة وي وجين، حيث تكفّل بنقل المراسلات الإمبراطورية السريعة عبر الخيول، واحتضان سفراء الممالك الغربية، وتوفير المأوى والتموين للوفود في قلب صحاري آسيا الوسطى، قبل أن تطويه تحولات المسارات التجارية وتغير السلالات الحاكمة.
هذه الوظيفة الإمبراطورية الحساسة التي جمعت بين خدمات الإمداد والتموين والمهام الأمنية، انعكست بوضوح على البناء الميداني للموقع، وهو ما وقفت عليه "كوردستان 24" عن قرب أثناء جولتها؛ إذ تتوزع منشآت المحطة على مساحة فسيحة تقارب اثنين وعشرين ألفاً وخمسمئة متر مربع، يتوسطها حصن دفاعي منيع مربّع الشكل مساحته ألفان وخمسمئة متر مربع بطول ضلع يبلغ خمسين متراً. وتتجه بوابة هذا الفناء المحصن نحو الشرق، محتضنة في داخلها غرف الإدارة والمبيت ومستودعات التموين، في حين تتمدد إلى الجنوب والجنوب الغربي خارج الأسوار إسطبلات وباحات واسعة استُخدمت لإيواء خيول البريد السريع والبعثات الرسمية.
غير أن روعة التخطيط المعماري تتضاءل أمام ما جادت به رمال الموقع من أسرار ووثائق، إذ تحوّل هذا الحصن الصغير إلى خزانة تاريخية كبرى أخرجت أكثر من سبعين ألف قطعة أثرية، تصدّرتها خمسة وثلاثون ألف شريحة من الخيزران والألواح الخشبية المحفوظة بعناية فائقة. وبينما فصّلت نحو ثلاثة وعشرين ألف شريحة منها الأنظمة البريدية الدقيقة والمراسلات العسكرية والعلاقات مع دول الجوار، حملت ألواح أخرى رسائل شخصية مؤثرة للجنود والموظفين المرابطين في أطراف الإمبراطورية—مثل رسالة "يوان تشي تسيفانغ شو"—لتملأ تفاصيل إنسانية غابت عن كتب التاريخ الرسمية؛ وفوق ذلك، فجّر الموقع مفاجأة علمية كبرى بالعثور على رقائق ورقية مصنوعة من القنّب تعود لعهد هان الغربية، مما دفع بتاريخ بدء استخدام الورق للكتابة في الصين إلى الوراء بنحو قرن كامل.
هذه الشواهد الاستثنائية مجتمعة هي التي انتزعت للموقع مكانة بارزة على قائمة التراث العالمي عام 2014 بوصفه جزءاً لا يتجزأ من شبكة طرق الحرير التاريخية، لتخلص مشاهدات "كوردستان 24" في نهاية المطاف إلى حقيقة ساطعة: إن "شيانشيوانزهي" لم تكن مجرد محطة استراحة في أعماق الصحراء، بل كانت تجسيداً لعبقرية إدارية نجحت قبل عشرين قرناً في مدّ خطوط اتصال رسمية راسخة، صهرت قسوة الجغرافيا وربطت قلب الصين بالعالم الخارجي.