غضب متواصل واعتصام مفتوح.. خريجون يواصلون احتجاجاتهم أمام وزارة النفط ببغداد للمطالبة بالتعيين المركزي
اربيل (كوردستان24) - تحت وطأة حرارة الشمس والغبار، يواصل المئات من خريجي معاهد التدريب النفطي في العراق اعتصامهم المفتوح واحتجاجاتهم المتصاعدة أمام مقر وزارة النفط في العاصمة بغداد، في حراكٍ متواصل وممتد دخل أيامه وأشهره دون استجابة حكومية ملموسة. فبين مفترشٍ للأرض، ومتكئ تحت مظلة تقيه لفح الظهيرة، وحناجر تصدح بهتافات تطالب بإنصافهم؛ بات المشهد أمام الوزارة أشبه بساحة اعتصام دائمة تجسد معاناة آلاف الشباب الذين ضحوا بسنوات من جهدهم وتفوقهم الدراسي طمعاً في مستقبل مهني وظيفي وُعِدوا به ولم يروه.
يؤكد المعتصمون أن خروجهم إلى الشارع ليس ترفاً ولا مظاهرة عابرة، بل هو دفاع مستميت عن "حق قانوني وتعاقدي ملزم" تكفله التشريعات والعقود المبرمة بينهم وبين وزارة النفط عند التحاقهم بالمعاهد؛ إذ يُلزم العقدُ الوزارة بتعيين خريجي المعاهد النفطية خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر من تاريخ تخرجهم.
ويشير المتظاهرون إلى أن أزمة تراكم الخريجين وصلت إلى نحو أربع دفعات متتالية (تضم ما يزيد عن 3,500 خريج)، مع مخاوف حقيقية من دخول دفعة خامسة إلى نفق البطالة المظلم، خاصة بعد إقرار الموازنة الثلاثية وتجميد درجات الحذف والاستحداث المخصصة لهم، وهو ما جعل مطالبهم تتركز حالياً على حسم ملف تعيينهم المركزي فوراً وإدراج مستحقاتهم الوظيفية بصورة قطعية.
تتكشف في باحة الاحتجاج مآسٍ إنسانية لطاقات شبابية حققت أعلى المعدلات في الثانوية العامة (السادس الإعدادي)، حيث فضّل كثير منهم الالتحاق بالمعاهد النفطية على كليات القمة، رغبةً في اختصار سنوات الدراسة وضمان التعيين السريع الذي يضمن لهم ولأسرهم مصدر رزق كريم.
سرمد عيسى (خريج معهد النفط): يروي بحرقة قراره السابق قائلاً:
"حصلتُ على معدل 98% في السادس الإعدادي، وقُبلت رسمياً في كلية طب الأسنان بالجامعة المستنصرية، لكنني تنازلتُ عنها وجئت إلى معهد النفط؛ لأننا أناس نبحث عن لقمة العيش والاستقرار السريع. دراسة طب الأسنان تتطلب 5 سنوات، فضلاً عن وجود كليات أهلية تابعة لجهات سياسية وأحزاب تخرّج الآلاف سنوياً بمعدلات متدنية وتزاحم في سوق العمل. كان هدفي التعيين المضمون خلال سنتين، وها نحن اليوم في الشارع بعد أن ضاعت تضحياتنا."
روَند محمد (خريج معهد النفط): يؤكد أن جميع المعتصمين من أصحاب المعدلات العالية:
"لا يوجد بيننا من يقل معدله عن 95%. تنازلنا عن خيارات جامعية مرموقة وجئنا بناءً على تعهدات الوزارة وشركاتها، واليوم نسأل وزارة النفط: أين ذهبت درجاتنا الوظيفية المخصصة لنا؟ وإلى متى يتم تجاهل حقوقنا ونحن نمتلك أعلى الكفاءات؟"
يفند المعتصمون ذرائع الضائقة المالية والعجز في الموازنة العامة للدولة؛ مؤكدين أن توظيف خريجي المعاهد النفطية يتم حصراً على ملاك "الشركات النفطية الرابحة" التابعة للوزارة ذات التمويل الذاتي، وبالتالي فإن رواتبهم لا تشكل أي عبء مالي على خزينة الدولة المركزية.
علي باسل (خريج معهد النفط): يوضح الكلفة الهائلة التي خسرها الطرفان دون جدوى:
"الدولة أنفقت علينا مبالغ طائلة خلال سنوات الدراسة بمخصصات تصل إلى مليون ونصف المليون دينار سنوياً للطالب الواحد لتدريبنا وإعدادنا. نحن 3,500 طالب من أصحاب الكفاءات العالية، وشركات النفط شركات ذات تمويل ذاتي ورابحة. لماذا يُهدر هذا الاستثمار؟ ولماذا تُمنح الوظائف في الشركات النفطية لمن يفتقر للخبرة والكفاءة بينما الكوادر المدربة تُرمى في الشارع؟"
حسن كريم (خريج معهد النفط): يشدد على أهمية موقعهم المهني:
"معاهد النفط لا تحتاج إلى كلف مالية إضافية تُثقل الدولة. نحن موزعون بحسب الاحتياج الفعلي للشركات النفطية وأموالنا مرصودة. الأهم من ذلك أننا لسنا فائضاً عن الحاجة؛ بل نحن العمود الفقري والكادر الوسطي الفني الذي لا يمكن لأي حقل أو مصفاة نفطية في العراق أن تعمل بدونه."
وليد الحيالي (خريج معهد النفط): يضيف مؤكداً:
"قبولنا في المعهد كان منذ البداية مبنياً على جداول الاحتياج الدقيق للشركات النفطية الرابحة. رواتبنا وتخصيصاتنا تؤخذ حصراً من ميزانية هذه الشركات وأرباحها وليس من الموازنة التشغيلية للدولة، لذا فإن الحديث عن أعباء مالية هو مجرد تسويف غير مبرر."
يرفع المحتجون في لافتاتهم أسئلة مباشرة إلى وزير النفط وإدارات الشركات، منددين بسياسة التسويف والمماطلة والوعود التي لم تترجم على أرض الواقع على مدار سنوات الاحتجاج.
سليم الزيدي (خريج معهد النفط): يوجه رسالته مباشرة للجهات المسؤولة:
"معاناتنا مستمرة منذ أكثر من أربع سنوات، وما بداخلنا يعجز الكلام عن وصفه. نوجه سؤالاً واحداً ومباشراً إلى معالي وزير النفط: قبولنا جرى على أساس الحاجة وبموجب درجات الحذف والاستحداث السنوية لدفعات 2023 و2024 والسنوات اللاحقة.. أين ذهبت هذه الدرجات الوظيفية؟ ولماذا يُحرم مستحقوها الأصليون منها؟"
أركان الساعدي (خريج معهد النفط): يستنكر التهميش الحاصل:
"بذلت عامين كاملين من عمري في الدراسة والجد والاجتهاد وتخرجت بتسلسل الثاني على دفعتي واختصاصي. اليوم أجد نفسي مجبراً على البحث عن أعمال هامشية لا تمت لتخصصي بصلة. خرجنا في عشرات التظاهرات ولم نتلقَّ سوى الوعود والتسويف. نسأل الوزارة: أين ذهبت عقودنا الرسمية الموقعة التي تلزمكم بتعييننا بعد ستة أشهر؟"
يقف خريجو المعاهد النفطية اليوم كحلقة وصل أساسية لا غنى عنها في الصناعة النفطية التي تشكل شريان الاقتصاد العراقي؛ ومع استمرار تعنت الجهات المعنية وغياب الحلول الجذرية، يؤكد المعتصمون أن خيامهم ستبقى منصوبة أمام بوابة وزارة النفط، وأن احتجاجاتهم مستمرة ولن تتوقف أو تتراجع، ملوحين بخطوات تصعيدية سلمية إضافية حتى يتم إنصافهم، وتطبيق بنود عقودهم القانونية، وإصدار أوامر تعيينهم في الشركات النفطية المستحقة لخدماتهم.
تقرير: سيف علي – كوردستان24 – بغداد