هذه المقالة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تعكس بأي شكل من الأشكال رأي كوردستان24.
عبدالله جعفر كوفلي
باحث وأكاديمي
العراق بعد قانون الحشد الشعبي
وسط جدل حاد بين الأطراف والقوى السياسية المنضوية تحت قبة مجلس النواب العراقي اقر قانون هيئة الحشد الشعبي بتاريخ (26/11/2016) هذا القانون الذي صوتت الأغلبية الشيعية لإقراره في سبيل وضع إطار قانوني لمليشيات لبت نداء المرجعية الدينية بعد استشعارها بخطورة الوضع الأمني وسيطرة الجماعة الإرهابية (داعش) على مساحات شاسعة وتهديده بالسيطرة على بغداد والمحافظات الجنوبية وان القانون قصير بمواده وكبير في مغزاه لأنه يعتبر تحولاً في المسيرة الديمقراطية العراقية نحو انهيار الدولة المدنية المنشودة وتحمل بين جنباتها الأبعاد الخفية للسياسية الإيرانية في المنطقة التي باتت تحكم العراق بصورة مباشرة بل وتنطلق منها إلى المناطق الاخرى وان إقرار مثل هذا القانون يعني :
انتصار النزعة الإيرانية وخططها ببسط نفوذها على المنطقة بل هي انتقال للنموذج الإيراني (الثورة الإسلامية) بعد الانقلاب عام (1979) حيث تم تأسيس الحرس الثوري مع بقاء القوات العسكرية الإيرانية السابقة على حالها ويوما بعد آخر تم تجهيز الحرس الثوري (الجيش النقي التقي الموالي للثورة والداعم لها) بأحدث المعدات العسكرية والتدريب مقابل إضعاف الجيش إلا ان تم حله بالكامل واعتمدت الثورة الاسلامية على الحرس الثوري في كل حروبها الداخلية والخارجية والدفاع عن أمنها الوطني وان إقرار هذا القانون يعني الإقرار بقوة عسكرية شيعية تستطيع الدفاع عن الوجود الشيعي والدولة الشيعية في العراق وتم دعمها بشتى الأشكال في مقابل إضعاف الجيش العراقي وتكرار هزائمه في الجبهات المتعددة لإثبات قدرة الحشد على دحر الأعداء وحدد القانون (داعش) وكل من يتعاون معهم كمهمات رئيسية للحشد.
هذا القانون طائفي بامتياز لأنه جاء استجابة للمكون الشيعي ذات الأغلبية في البرلمان العراقي فالقوانين تشرع لصالح الجميع ومن اجل تنظيم أمور المواطنين دون تميز في الدين أو العرق أو القومية و تحديد حقوق و واجبات الناس، صحيح هناك قوانين خاصة لشريحة معينة (كالطفل أو المرأة أو فئة معينة) لكنها تشمل جميع مواطني البلد أما هذا القانون فانه يخاطب المكون الشيعي فقط ويحدد واجباتهم وحقوقهم.
منح القانون صفة الاستمرارية للحشد الشيعي مع الاحتفاظ بخصوصيتها وهويتها بشرط عدم تهديد الأمن الوطني العراقي وهذا يعني بأنه لا ينتهي دوره بنهاية داعش و إنما كل الأبواب مفتوحة أمامهم لمحاربة كل من يقف في طريق تحقيق أهدافهم من الكورد أو السنة العراقيين.
يبدو أن المشرع العراقي يتنبأ بعقله الباطن بان الحشد الشعبي سيشكل يوماً ما تهديداً للأمن الوطني العراقي لأنه منح صلاحيات امنية واسعة و كثيراً ما أطلق في الفترة السابقة عبارات تهديدية للكورد والسنة و بملء الأفواه من قبل قيادي الحشد لذا اشترط عدم تهديده للأمن الوطني العراقي لديمومته.
ان القانون نص على ارتباط هيئة الحشد الشعبي بمجلس الوزراء في حين أن المنظومة العسكرية العراقية تتبع وزارة الدفاع وتتلقى منها الأوامر وهذا القانون جعل من الحشد بمكان أعلى ولا ارتباط لها مع وزارة الدفاع وإنها تملك صلاحيات أمنية وعسكرية واسعة أي انها لا تحتاج الى قوات اخرى بل لا تقبل بوجود قوات عسكرية اخرى في مناطق تواجدها بالاضافة الى ارتباطها بمجلس الوزراء يكون في المسائل المالية والإدارية لان تعبير القانون جاء (بإيعاز وطلب من رئيس الوزراء وليس (بأمر) وهذا ما يجعل رئيس الوزراء في موقف الحرج لأنه طلب وليس بأمر وان المسائل العسكرية تكون بتنفيذ الأوامر ويبدو انه هناك جهات أخرى يتلقى الحشد أوامره منها.
ان اقرار القانون يعني الاعتراف بحكم الاغلبية في العراق و ن التوافق السياسي والمصالحة الوطنية والشراكة او العيش سوية والعدالة الاجتماعية والاقتصادية والتعامل على اساس المواطنة مصطلحات باتت في مهب الريح ولا وجود لها وفق ما خطط له المالكي وينفذه وان المكون الشيعي مهما اختلفوا فيما بينهم تجمعهم وحدة الموقف من المكون السني والكوردي وأظهرهم على حقيقتهم وافرغوا ما بجعبتهم ويقفون امام كل المشاريع السنية والكوردية وتنظيم أحوالهم ورغم الدعوات المستمرة ومشاريع القوانين المتتالية لتنظيم قوات البيشمركة الا انها ذهبت سدى أمام الفكر التسلطي للغالبية.
لذا فان القانون اشار بوضوح الى:-
على الكورد ان يعلموا جيداً بان الحشد الشعبي هو الخطر القادم عليهم إذا سنحت لهم الفرصة على الرغم من امتلاك الاقليم لقوات عسكرية ضربت اروع الامثلة في التضحية والفداء وهم البيشمركة، لانهم (أي أفراد الحشد) ينفذون أجندات وسياسات مرسومة لها خلف الكواليس.
انهيار العراق الديمقراطي المدني المنشود بل ان هذا القانون هو المعول لهدمه وقلعه من جذوره لان الديمقراطية ظهرت غريبة وستبقى غريبة عن الواقع العراقي رغم الشعارات المتلألئة والدعوات المنطلقة من حناجر البعض و المظاهر البراقة لها إلا انها تفتقد الى ايمان المواطن العراقي بهذا المفهوم عند الأغلبية مع تقديرنا للأفكار النيرة و العقول المبدعة .
إن القانون هي بداية نهاية الدولة العراقية والإعلان عن التقسيم الواقعي لأرض العراق لأن العيش بين مكوناته بات ضرباً من الخيال ويوماً بعد آخر تزداد الهوة بين هذه المكونات وتنمو الكراهية والطائفية وتجري مجرى الدم من عروقهم.