عبدالله جعفر كوفلي
باحث وأكاديمي
عسكرة المنطقة بداية لتقسيمها
تعد القوة العسكرية الركيزة الاساسية لبناء أي كيان سياسي مهما كان الاختلاف في المسميات وذلك لحمايتها من التهديدات الخارجية و المؤامرات الداخلية، ومن جانب آخر لتطبيق الافكار التوسعية التي يمتلكها ذلك الكيان على حساب المناطق الاخرى، لذا فأن قوة الدولة تكمن في قوتها العسكرية بالعدد و العدة و ذلك لأن فكرة الاحتلال و الاستيلاء و تحقيق الاطماع لزم الانسان منذ وجوده، و ان بروز فكرة الامن القومي كمصطلح في بداية القرن المنصرم ارتبط بشكل وثيق بمدى امتلاك الدول للقوة العسكرية و درجة تدريبها و نوع الاسلحة و دخولها في تحالفات عسكرية وبعدها توسعت لتشمل جوانب اخرى مثل الامن الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي و..... الخ، وكثيراً ما كانت الدول تقترب من اشعال فتيل حروب دامية لولا خوفها من دمار المنطقة و خرابها و لكن في مرات عديدة خرجت من اطار سيطرتها و لجأت الدول الى استخدام القوة العسكرية معلنة حرب شرسة باعتبارها الشكل النهائي للعلاقات فيما بينها لحل القضايا العالقة و كانت تنتهي هذه الحروب بتغير في ديموغرافية تلك المنطقة و تخلف وراءها الدمار و الامراض و التشرد ومشاكل الثأر والانتقام والاهم من ذلك تغير في خارطة المنطقة فكانت نتيجة الحربين العالميين في القرن الماضي ظهور كيانات سياسية جديدة بعد اختفاء السابق منها و ان الدول المنتصرة في الحروب تحافظ على نفوذها بانشاء المعسكرات لقواتها داخل الاراضي التي تحتلها لكي تستطيع فرض سياستها و حماية مصالحها.
إن منطقة الشرق الاوسط كانت موضعاً للصراعات منذ القدم بين القوى المتصارعة لذا فأن التغيير في الحدود و الانظمة السياسية الحاكمة سمة بارزة لهذه المنطقة بل و اكثرها شيوعاً.
فعلى سبيل المثال لا الحصر عند احتلال بريطانيا للعراق عام 1917 و من اجل بسط نفوذها لجأت الى عسكرة المنطقة بإنشاء معسكرات عديدة في الجنوب و الشمال و الوسط في سبيل حماية الكيان الذي انشأه بعد انهيار (الرجل المريض) الدولة العثمانية و كذلك فعلت امريكا عند حرب تحرير العراق عام 2003 حيث بنت معسكرات لقواتها في مناطق عديدة و لكنها اضطرت الى سحبها عام 2011 مدركة بخطورة قرارها و انها تركت وراءها اثار جمة، وبعد ظهور داعش كجماعة ارهابية على انقاض الجماعات الارهابية السابقة و لكنها بزي وتخطيط مختلف حيث اعاد الانسان الى العهود القديمة دون اعمار و تاريخ و رفاهية و سيطرتها على اراض واسعة في العراق و سوريا لأسباب مختلفة و متعددة دخلت امريكا الى العراق تحت غطاء التحالف الدولي لمحاربة داعش لتحقيق الغرض السابق من دخولها بعسكرة المنطقة وحماية مصالحها وإعادة رسم المنطقة.
إن فكرة عسكرة المنطقة تتفاقم يوماً بعد آخر فبعد ان كان مقتصراً على الدول الكبرى حيث بدأت الدول الاقل وزناً في التأثير على العلاقات والسياسة الدولية تحذوا حذوها و تنشر قواتها العسكرية في العديد من المناطق في سبيل اطماعها التوسعية مثل ايران وتركيا والسعودية، حيث باتت المنطقة شبه عسكرية فلا يكاد يخلو دولة من وجود معسكرات لدول اخرى سواء بالاتفاق او الاضطرار او ان الحاجة تقتضي ذلك.
وإن الدول تتسابق وتتصارع فيما بينها ويظهر ذلك بشكل واضح بين كل من امريكا و روسيا في العراق وسوريا، وان وجود هذه المعسكرات تجعل الابواب مفتوحة امام اشعال فتيل الحروب بصورة مباشرة او بالوكالة و ان هذه الدول تدافع بشكل مستميت عن وجودها العسكري في تلك المناطق باعتبارها جزءاً مهماً من استراتيجيتها العسكرية و الامنية ضد التهديدات الخارجية و الداخلية ولىنها لا تجني للمنطقة سوى الدمار و الخراب و مزيد من حقن دماء الاطفال و النساء و التشرد ، و ان بناء المعسكرات كانت ولاتزال بداية لإعادة رسم المنطقة و تقسيمها وفق منطق القوة الحاكم , لذا فان التاريخ دائماً في تجدد و السؤال الذي يفرض نفسه هل ان العسكرة الحالية سيكون بداية لتأسيس دولة او كيان كوردستاني مستقل او يذوق الكورد مرارة ما ذاقوه من قبل و يقعون فريسة للمصالح و الاتفاقات السرية خلف الجدران، هذا ما سيكشفه الايام القادمة.... ولكن الامل و التفاؤل يرسمان على جبينهم هذه المرة لقدرتهم على قراءة احداث المنطقة وفق ما يروق لهم و بذلوا المزيد من الجهود في استثمار هذه الفرصة كما انهم قد خرجوا من العزلة السابقة نحو آفاق رهبة ونجحوا في جذب انظار العالم المتمدن واثبتوا جدارتهم في محاربة الارهاب و حماية الامن العالمي.
هذه المقالة تعبر عن وجهة نظر كاتبها ولا تتبناها كوردستان24 بأي شكل من الأشكال.