عِشْ غنيًا بالمواقف "زيلنسكي" انموذجاَ

عِشْ غنيًا بالمواقف "زيلنسكي" انموذجاَ
عِشْ غنيًا بالمواقف "زيلنسكي" انموذجاَ

أفغانستان مثال قريب جدًا.

أهمية الحدث، وحتى لا يمر دون أن يلاحظه قلمنا بالملاحظة والتذكير، أقول: لا يربطني بأمريكا شيء يُذكر. وما رأيته من لعبة “اثنان ضد واحد” بهذا الشكل، وبأسلوب أقرب إلى الجنون، يؤكد أن سياستها لا صديق لها ولا صاحب. لم أكن يومًا مستمعًا جيدًا لها، ومنذ زمن بعيد أدركت أن جميع ألعابها تُدار وفق آلية السر والخفاء إلا أن هذه المرة، انكشف المستور في أمر المفضوح في لعبة مكشوفة بين القطة والفأر الشجاع وفق مصلحتها الخاصة و للاسف الفأس وقع في الرأس على الاقل من الناحية المعنوية لا في لعبة خسارة و انتصار من الناحية المادية .

 

“أين مصلحتي، أكون هناك، ومتى ما اقتضى الأمر، تركت كل شيء وانسحبت. 

لا يربطني بأوكرانيا شيء أيضًا، ولا بقائدها الشجاع، لكن وفق ما قاله قادة أمريكا أنفسهم، فقد منعوه من أن يكون “البطل”، لكنه رغم ذلك أصبح “بطلاً”، وزادت شعبيته بأضعاف مضاعفة في أوكرانيا. لقد نجح الرجل في أن يكون رمزًا للوطن بامتياز، في وقتٍ كان على وشك الانسحاب وترك الطريق مفتوحًا للآخرين. وأعتقد أنه لو قرر الرحيل أو الاستقالة اليوم، فسيبكي عليه الكثيرون، وشعب أوكرانيا بالذات، كما بكى المصريون على عبد الناصر.

زيلينسكي رجلٌ يملك من القوة والشجاعة ما يجعله يقول ما يريد، وقد رفض - على الأقل في العهد القريب - أن يوقّع على الاتفاق، محافظًا بذلك على الكرامة، وحافظ على تاريخ سيكتب له كلمات العرفان.

صحيح أن وجهه كان يحمل ملامح الانزعاج حين دخل، والرئيس هناك في استقباله، لكن عند العودة، وبعد ترك الاجتماع، ورغم عدم وجود الرئيس في وداعه، خرج مبتسمًا ولوّح بيديه، وصعد إلى السيارة بعد ابتسامة من سيدة في البيت الأبيض. كان الرئيس الأمريكي معتقدًا أن أمر التوقيع قد حُسم، لكنه وقع في فخ نصبه بنفسه، حين حاول تمرير الأمر من خلال نائبه، الذي - للأسف - خرج عن كل آداب الاستئذان، وصار يضرب شمالًا وجنوبًا! غير أن القائد الأوكراني الشجاع استطاع أن يقف موقف الرجال، ليؤكد أن “الرجال بالمواقف، لا بالكلمات.”

كان واضحًا أن زيلينسكي، حين وصل، كان مرتبكًا من تصرفات الآخر، خاصة بعد مكالمته الأخيرة وتصريحاته النارية التي وصف فيها الرئيس الأمريكي بالدكتاتور، ثم جاء الاعتذار والاستقبال. كان زيلينسكي متأكدًا من أنه يُعامل وكأنه “بضاعة تُشترى بالمال”، ولم يدرك الطرف الآخر أن القادم من أوكرانيا، بلد المعادن والزراعة، لن يسمح بتمرير الأمور كما يشاء الآخرون، خاصة عندما تُباح المحظورات في آداب الاستقبال!

لا أعرف إلى أين تأخذني كلماتي، ورغم أن قلمي قد لا يجدي نفعًا، فإن للقلم علينا حقًا، وللتاريخ أن يسجل. وربما يذكرنا التاريخ يومًا بهذا المقال، وبأننا كتبنا شهادتنا عليه.

اليوم، وبسبب هذا الموقف تحديدًا، وُلدت الكثير من الأسماء الجديدة باسم “زيلينسكي القائد المغوار” في أوكرانيا، واستطاع أن يُعيد روح الانتماء وحب الوطن. وحقًا، الحرب هناك صارت “نوعًا من الاحتفال” رغم كُرهنا لأي حرب وأي قتال. عارٌ على من قبل الذل في دار المضيف وترك أمره في صمت! لكنه لم يصمت، ولم يترك أمره يمضي كما يريد الآخر دون أي إشارة من المعتدي السوفيتي، ووفق أي اعتبار.

حذارِ من الأوطان والأمم التي يقودها هذا النموذج من البشر، ممن يتعاملون مع السياسة وكأنهم تجارٌ لا سياسيون! وهذا الحديث مسجلٌ على كثير من شبكات التواصل الاجتماعي.

تعلمنا من هذا الموقف الشجاع: “عِشْ غنيًا بالمواقف، لا بالذل والمهانة والطعن في الكرامات. فالرجال لا يُقاسون بالطول والوزن، ولا بالمال، بل بالمواقف!”

وعذرًا لأصدقائي أصحاب المال، فالمال خُلق للاعمار ، والصداقات، ومساعدة الآخرين، وسبل النجاح، لا ليكون وسيلةً لفرض القوة، ثم لا شيء!

(المقصود دولة امريكيا أ- أ- س )