د. إبراهيم أحمد سمو
كاتب كوردي
مسرور بارزاني في حوار الثقة والواقعية: كوردستان جزء من الحل لا المشكلة
في لقاء أريحي جاء على هامش القمة العالمية للحكومات في دبي، أجرى رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني حوارًا لافتًا مع إعلامي عربي مخضرم، عُرف بمرافقته لأكثر من جيل إعلامي، وذلك عبر شاشة قناة سكاي نيوز عربية. لقاء قد يبدو في ظاهره بسيط الأسئلة، لكنه في جوهره كان عميق الدلالات، من حيث التوقيت، وتسلسل المحاور، والرسائل السياسية التي حملها بين سطوره.
بالنسبة للمتابع للشأن الكوردستاني، ولمن يواكب ما يُنشر عن رئيس حكومة الإقليم ومقابلاته السابقة، فإن هذا الحوار شكّل محطة مهمة، لا سيما أنه انطلق من الانتخابات العراقية الأخيرة، وتوقف عند آلية اختيار الرئاسات الثلاث في العراق: رئاسة البرلمان، ورئاسة الوزراء، ورئاسة الجمهورية.
تطرق الحوار إلى العُرف السياسي الذي أصبح أقرب إلى القرار غير المكتوب، حيث جرى اختيار رئيس البرلمان من الكتلة السنية الأكثر عددًا، ورئيس الوزراء من الكتلة الشيعية الأكبر، وبالمنطق السياسي ذاته، يكون من حق الكتلة الكوردية الأكبر أن تشغل منصب رئاسة الجمهورية. غير أن هذا الاستحقاق لم يتحقق، لأسباب رُبطت – بحسب الإجابة – بتعقيدات المشهد السياسي داخل إقليم كوردستان نفسه.
ومن موقع المتابع البسيط، يمكن القول إن الإشكالية الحقيقية تكمن في ربط تشكيل الحكومة الاتحادية في بغداد بالتفاهمات أو الخلافات الداخلية في الإقليم. فالفصل بين المسارين بات ضرورة سياسية لتجنب حالة الارتباك والقلق في الشارع الكوردستاني، ولضمان استقرار المؤسستين معًا، بدل أن تكون إحداهما رهينة للأخرى.
في هذا السياق، طرح رئيس الحكومة جملة من المخارج الممكنة للأزمة، من بينها ترشيح شخصية تحظى بالقبول الشعبي والسياسي، سواء من داخل برلمان إقليم كوردستان، بناءً على مقترحات المرجعية السياسية السيد مسعود بارزاني ، أو من خلال توافق الكتل الكوردستانية داخل البرلمان العراقي. ورغم تعدد السيناريوهات، أكد أن الرهان الحقيقي يبقى على الخروج بمرشح واحد متفق عليه، يمثل الجميع ويحفظ مكانة الكورد في بغداد.
أما السؤالان الأكثر حساسية في اللقاء، فقد تعلقا بهوية رئيس الحكومة القومية، وبموقف الإقليم من بقاء قوات التحالف الدولي، وتحديدًا القوات الأمريكية. وهنا، جاء الجواب بثقة عالية ووضوح لافت.
قال مسرور بارزاني دون تردد: (نعم، أنا كوردي وأفتخر بكورديتي. وُلدت كورديًا، وأتشرف بالانتماء إلى هذه القومية، وأحلم – كأي كوردي – بأمة لها حق تقرير المصير، كما هو حال بقية الأمم).لكنه، وفي الوقت ذاته، شدد على أن السياسة لا تُدار بالأحلام وحدها، بل بالتعامل العقلاني مع الواقع القائم، وبقراءة موازين القوى الإقليمية والدولية.
وأضاف، في حديث اتسم بالصراحة وعدم خداع الذات، أن الكورد – تاريخيًا – وجدوا أنفسهم محاصرين في لعبة الأمم، والتقسيمات، والتوازنات الدولية، (وصار الذي صار). لذلك، فإن التعامل مع الواقع الكوردستاني اليوم يقتضي احترام سيادة الآخرين، وعدم التدخل في شؤونهم، مقابل تثبيت مبدأ أساسي: أن الكورد جزء من الحل في المنطقة، وليسوا جزءًا من المشكلة.
هذه العبارة بالتحديد كانت من أكثر ما لفت الانتباه في الحوار، ويمكن اعتبارها عنوانًا لنهج سياسي كامل، يقوم على التعايش السلمي، والعمل على إصلاح ذات البين، وبناء الجسور مع المحيط الإقليمي والدولي، بدل الانخراط في صراعات عبثية.
وفيما يتعلق بالوجود الأمريكي، جاء السؤال بصيغة ذكية، حاولت حصر الموقف في إطار إقليمي ضيق، إلا أن الجواب تجاوز هذا الإطار، وأعاد المسألة إلى أصلها الدستوري والقانوني. أوضح رئيس الحكومة أن بقاء القوات الأمريكية وقوات التحالف هو شأن اتحادي، تحكمه الاتفاقيات الأمنية والاستراتيجية الموقعة بين الحكومة الفيدرالية العراقية والولايات المتحدة.
وبيّن، وبوضوح، أن استمرار خطر تنظيم داعش يجعل من وجود هذه القوات ضرورة تفرضها معطيات الواقع، لا الرغبات السياسية. فالأمن لا يُدار بالشعارات، بل بالقدرة على منع عودة الإرهاب، وحماية الاستقرار الهش في المنطقة.
ومن خلال مجمل الإجابات، بدا أن المحاور محق حين لمح إلى وصف مسرور بارزاني بـ(مهندس التوازن الثلاثي) بين الولايات المتحدة والعراق وإيران، وهو توازن دقيق مكّن الإقليم، إلى حد كبير، من دفع شرور كبيرة عن نفسه وعن المنطقة، رغم إدراك الجميع أن كوردستان ليست بمنأى كامل عن تداعيات الحروب والصراعات.
في المحصلة، كانت مقابلة تستحق المتابعة، لا لمجرد المشاهدة، بل للتوقف عند مضامينها ورسائلها. لقاء خاطب العقل العربي بلغة هادئة وعميقة، وقدم صورة قائد واثق من نفسه، واقعي في قراءته، ومدرك لتعقيدات المرحلة. حوار يُسهم في تثبيت الفهم الصحيح للحال الكوردستاني، كما هو، لا كما يُراد له أن يُصوَّر