لا يصحّ إلا الصحيح.. جامعة دهوك ودورها في قراءة التحولات الدولية ودعم القضية الكوردية

لا يصحّ إلا الصحيح.. جامعة دهوك ودورها في قراءة التحولات الدولية ودعم القضية الكوردية
لا يصحّ إلا الصحيح.. جامعة دهوك ودورها في قراءة التحولات الدولية ودعم القضية الكوردية

في مناسبة جمعني هذا اليوم، وبكل تقدير وامتنان، حضور إحدى الفعاليات الأكاديمية بدعوة كريمة من جامعة دهوك – كلية العلوم السياسية، حيث كان محور النقاش يتمحور حول السياسة الدولية في الشرق الأوسط، مع التركيز على رۆژ آڤا كنموذج، إضافة إلى استخلاص نتائج السيمنارات والحوارات التي شهدتها القاعة.

من خلال الكلمة الافتتاحية لرئيس الجامعة الدكتور داود سليمان، تبيّن بوضوح أن العمل الأكاديمي في جامعة دهوك مستمر في المضي قدمًا، ليس فقط في التعليم، بل في المساهمة الجادة في التحليل والتفسير العلمي لقضايا الساعة، وربط المعرفة النظرية بالواقع السياسي المتغيّر. هذا الدور يعكس وعي المؤسسة التعليمية بمسؤوليتها تجاه المجتمع والقضايا المصيرية، وفي مقدمتها القضية الكوردية ضمن سياقها الإقليمي والدولي.

وخلال الاستماع إلى مداخلات الإخوة المشاركين، كلٌّ في وقته المحدد، وما رافقها من نقاشات معمّقة، تبيّن أن القضية المطروحة ليست إقليمية محدودة، ولا محصورة ضمن إطار دولة بعينها، بل هي أكبر بكثير مما قد نتصور. إنها جزء من لعبة دولية كبرى، تتداخل فيها المصالح، وتُدار ضمن سباق محموم لإعادة رسم الأدوار وتثبيت النفوذ في المنطقة.

وفي مداخلتنا، تناولنا حيثيات العملية الدولية التي تجلّت بشكل واضح وعلني، خصوصًا عند الحديث عن مجرد الجلوس على طاولة التوقيع بين إسرائيل وسوريا، ضمن مبادرة فرنسية ورعاية أمريكية، وبمباركة تركية. فبمجرد بروز هذا المشهد، حدث ما حدث على الأرض؛ إذ بدأ هجوم عنيف على أحياء ذات غالبية كوردية، مثل الشيخ مقصود ومناطق أخرى في حلب، رافقته عمليات تمشيط سريعة وتصعيد عسكري خطير.

ولولا التدخل المباشر للرئيس مسعود بارزاني، وبالتنسيق مع السيد نيجرفان بارزاني، الذي دفع باتجاه اتصال هاتفي من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مع الرئيس احمد الشرع والتواصل مع القيادة المعنية، لكانت النتائج أكثر مأساوية. ورغم استمرار إطلاق النار واستخدام المدفعية من هنا وهناك، إلا أن تلك الاتصالات أثمرت عن وقف التصعيد، وفتحت الباب أمام مرحلة جديدة.

ومن رحم هذه الاتصالات، وُلدت مرحلة مختلفة؛ فبدلًا من رحلات مليونية عابرة، انتقل المشهد إلى ثبات في الأرض، من خلال المشاهد الكوردستانية، ورفع العلم الكوردستاني، وحضور الشباب في كل مكان، إضافة إلى دور وسائل التواصل الاجتماعي والدياسبورا الكوردية في العالم، التي تحولت إلى نقطة ضوء وإشعاع على مستوى المنطقة بأسرها.

كما أسفرت هذه التطورات عن اتفاقية 18/1، التي جاءت ببنود تحفظ ماء الوجه للكورد، وتسجّل نقطة إيجابية لصالح القضية الكوردية، سواء على المستوى السياسي أو المعنوي. وقد خلص السيمنار إلى أن توحيد الكلمة، وتوحيد العلم الكوردستاني الرسمي—المعترف به في الدستور العراقي والمزكّى من جميع الأحزاب الكوردستانية المسجلة رسميًا في دول الوجود الكوردي—هو الطريق الأنجع في هذه المرحلة الحساسة.

نعم، إنها قضية شائكة، لكنها في الوقت ذاته باتت واضحة الملامح. لقد أصبحنا نعرف أين تتجه المصالح، ومن يقف معنا، ومن يراهن على غير ذلك. ومن هنا، تبرز ضرورة مسايرة المصالح الدولية بوعي، مستندين إلى حالة التأييد المتنامية للقضية الكوردية في الداخل والخارج.

وقد بدأ الأصدقاء الحقيقيون بالظهور علنًا، من خلال النداءات المتكررة لحماية الكورد أينما كانوا، سواء عبر مبادرات مجلس الشيوخ الأمريكي، أو التواصل شبه اليومي للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إضافة إلى انخراط الدول الكبرى والاتحاد الأوروبي في مسارات التوقيع والتوثيق، بما يؤكد أن الدفاع عن الكورد وحمايتهم أصبح ضرورة لا يمكن تجاوزها.

وعليه، يمكن القول بثقة إن القضية اليوم أفضل من الأمس، وإن الغد يحمل فرصًا أفضل، شريطة التزام جميع الأطراف بالاتفاقات المبرمة. فما كنا ننتظره لسنوات طويلة، بات اليوم في متناول اليد خلال أيام، بفضل هذه اللحمة الكوردستانية، والصوت الواحد، والدعم المادي والمعنوي، وتسخير الإعلام والفضائيات في خدمة قضية الشعب لا الأحزاب.

وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل الدور المحوري للرئيس مسعود بارزاني، الذي آلمه كثيرًا مشهد استهداف الكورد، لكنه تحمّل مسؤوليته التاريخية، وتدخّل في اللحظة الحرجة، ليسجّل موقفًا لصالحه وصالح القضية. ونحن، كمؤيدين لنهجه، نفخر به قائدًا ورمزًا، أثبت بالعمل والواقع أنه المرجعية الكوردستانية، وصاحب النفوذ والكلمة المسموعة داخليًا وخارجيًا. وحتى من اختلفوا معه، لم يعودوا قادرين على إنكار هذا الدور.

ختامًا، وبقدر ما أحزنتنا الأحداث، فإن النتائج جاءت عكس المخاوف، كما أكدتُ في أكثر من مقابلة ومقال: لا خوف ولا ضيق على القضية، ما دامت البوصلة واضحة، والقيادة حاضرة، والإرادة الشعبية موحّدة. وهنا يبرز مجددًا دور جامعة دهوك كمؤسسة علمية فاعلة في إنتاج الوعي، وقراءة التحولات، والمساهمة في دفع القضية الكوردية بثبات نحو الأمام