د. إبراهيم أحمد سمو
كاتب كوردي
القضية الكوردية بين المتغيرات الإقليمية والتحديات الداخلية: مسؤولية تاريخية وخيارات حاسمة
في عالمٍ يضجّ بالأحداث والمتغيرات المتسارعة، بات من الضروري للنُخَب الثقافية وأهل القلم أن ينخرطوا في مجريات الأمور لا كمراقبين من خلف الأبواب، بل كمشاركين فاعلين في صياغة الرأي العام وتوجيهه. لم يعد الاكتفاء بمراقبة الأخبار عبر شاشات التلفاز أو منصات التواصل الاجتماعي كافياً، بل صار واجبًا أن نحلل، نناقش، ونبحث في عمق القضايا التي تتشكل أمام أعيننا، لأن الوعي بالمستجدات هو السلاح الحقيقي في عالمٍ تحكمه المعلومات.
على سبيل المثال، ما حدث مؤخرًا في تركيا من تطورات تتعلق بحزب العمال الكوردستاني والبيان الصادر بشأنه لا يمكن المرور عليه مرور الكرام. فالعملية برمتها، بما في ذلك تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول الدفاع عن الدروز والكورد في سوريا، تشير إلى أن القضية أصبحت أكثر سخونة وهي الآن ضمن جدول المتغيرات الإقليمية. عندما تصرّح إسرائيل، فإنها لا تكتفي بالكلام بل تتحرك على أرض الواقع، وربما نجد أنفسنا بين ليلة وضحاها أمام معادلات جديدة تغير موازين القوى.
لسنا هنا لنجترّ المواجع، بل لنبحث عن موقع القضية الكوردية اليوم وإلى أين وصلت. فقد دخلنا في مرحلة تتطلب حوارًا جادًا وحقيقيًا، والحوار الكوردي–الكوردي يجب أن يكون الأولوية قبل أي شيء آخر. صحيح أن هناك محاولات سابقة لحوارات مماثلة، لكنها لم تؤتِ ثمارها كما ينبغي. وهذا لا يعني أن نرفع الراية البيضاء، بل على العكس، الكورد اليوم بحاجة ماسة إلى التكاتف ورصّ الصفوف، على أن يكون ذلك وفق رؤية واضحة تستند إلى المستجدات وتواكب المتغيرات الإقليمية والدولية.
القضية لم تعد محل شك، فالدولة التركية نفسها تؤكد أن هذا البيان لم يكن وليد اللحظة، بل سبقته جلسات واجتماعات مكثفة، كما أن الأحزاب المعارضة التركية باركت الخطوة، إلى جانب دعم الكتل السياسية الداخلية واللجنة المركزية لها. كل ذلك يشير إلى أن القضية تسير نحو الحل، مما يفرض علينا التفكير في مرحلة ما بعد الحل.
ومن هنا، لا بد من تجاوز الخلافات الداخلية في إقليم كوردستان، والعمل سريعًا على عقد جلسة للبرلمان للإسراع في إعلان الكابينة الحكومية العاشرة، ورفع الروح المعنوية للشارع الكوردي، الذي صمد ووقف إلى جانب الأحزاب الرئيسية رغم التحديات. المرحلة القادمة تتطلب اتحادًا طوعيًا بين الحزبين الرئيسيين، الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، بعيدًا عن الإكراهات، وذلك عبر تشكيل خلية عمل هدفها الأساسي خدمة الشعب الذي أثبت، عبر الانتخابات الأخيرة، أنه جزء فاعل في هذه العملية وليس مجرد متفرج.
إن المسؤولية التاريخية اليوم أكبر من أي وقت مضى، والمسار الذي تسلكه القضية الكوردية لم يعد مجرد مسألة نظرية بل واقع يتطلب خطوات عملية. نحن أمام فرصة حقيقية يجب استثمارها بحكمة، فإما أن نصوغ مستقبلنا بأيدينا، أو نترك الآخرين يفعلون ذلك نيابةً عنا، وفق مصالحهم وأجنداتهم