الكورد بين التاريخ والمستقبل.. نضال مستمر من أجل الاعتراف والحقوق

الكورد بين التاريخ والمستقبل.. نضال مستمر من أجل الاعتراف والحقوق
الكورد بين التاريخ والمستقبل.. نضال مستمر من أجل الاعتراف والحقوق

نحن لا نكتب عبثًا، ولا نجمع الكلمات اعتباطًا لمجرد أن يقرأها الآخرون. لا نبحث عن الظهور، بل نكتب لترسيخ الحقيقة المستندة إلى النيات الصادقة، ولا شيء غير ذلك.

موضوع اليوم ليس جديدًا علينا، بل هو حديث بدأناه منذ زمن، قبل أن تجتاحنا هذه التكنولوجيا العابرة للقارات. نحن أبناء جغرافيا راسخة، وتاريخ لا يمكن الاستهانة به، ولا يستطيع أحد، سواء كان صديقًا أم عدوًا، إنكاره. فالمتاحف العالمية وشواهد التاريخ تشهد لما نقول، وتؤكد صحة ما نذهب إليه.

لكن، قد لا يكون الدافع وراء كتابة هذا المقال واضحًا للجميع. لقد قررت، على المستوى الشخصي على الأقل، أنني لم أعد أحلم بما يحلم به الآخرون، ولا أقاتل من أجل ما يقاتلون من أجله. فقد بات القتال المسلح بالرصاص والنار مجرد موضة قديمة، بينما اليوم نخوض معركة الحوار وترسيخ الحقوق عبر الانتخابات والمطالبة بالحقوق الدستورية وضمان استقلال القرار السياسي. ندرك أن التحولات الكبرى لا تأتي بين ليلة وضحاها، لذا نؤمن بأن التغيير يبدأ بإعادة قراءة ما رُسم قبل أكثر من قرن من الزمان.

التقسيم ليس عيبًا ما دام يحقق العدالة والحقوق، وما دامت الأصوات ترتفع مطالبةً بأن يكون لكل شعب قراره المستقل. لا ضير في وجود كيانات سياسية مستقلة، بل على العكس، فإن ذلك قد يكون الحل الأمثل لإنهاء النزاعات المستمرة. كما هو الحال في إقليم كوردستان، الذي أثبت قدرته على إدارة شؤونه بنفسه، يمكن لبقية الشعوب والقوميات في المنطقة أن تسلك المسار ذاته، خصوصًا في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، والتي تجعل مطلب تقرير المصير أكثر واقعية من أي وقت مضى.

لقد تغير الزمن، ولم تعد المسافات حاجزًا أمام نشر الأفكار وإيصال الرسائل. في السابق، كنا نترقب الأخبار عبر الراديو، ثم جاء عصر التلفاز، حيث كنا نتابع المستجدات وفق السياسات المفروضة. ومع ظهور الفضائيات، توسعت دائرة المعرفة، لكن اليوم، أصبح كل فرد يحمل في جيبه أداة تُطلعه على ما يحدث في العالم لحظة بلحظة.

في هذا العصر، يمكن لفيديو واحد أن يُسقط أنظمة، ولصوت واحد أن يُغير مجرى الأحداث. لذا، علينا استثمار هذه الأدوات لخدمة قضيتنا، بدلًا من إضاعة الوقت في الجدل العقيم. علينا رفع أصواتنا، والعمل على إيصال رسالتنا إلى العالم، مستفيدين من هذا التطور التكنولوجي الذي جعل من الممكن مخاطبة الرأي العام العالمي دون الحاجة إلى وسطاء أو قيود سياسية.

لكن هذا لا يعني أننا كنا ضد الحلم في الماضي. لقد حلمنا كثيرًا، لكن أي حلم ذلك الذي لا يتحقق؟ الحلم الحقيقي هو الذي يترجم إلى واقع، وإلا فإنه يبقى مجرد سراب. لقد عايشنا عقودًا من الأمل، لكننا الآن مطالبون بالسعي الجاد لتحقيق أهدافنا، لا الاكتفاء بالتمني وانتظار المعجزات.

العالم اليوم يتحرك وفق مصالح سياسية واقتصادية، والدول الكبرى تحدد مصائر الشعوب بناءً على حسابات معقدة لا مكان فيها للضعفاء. الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لم تُبنَ على أساس شعب واحد، بل تشكلت من فسيفساء من المهاجرين، لكنها استطاعت أن تصنع لنفسها كيانًا قويًا أصبح اليوم القوة العظمى في العالم. أما نحن، الكورد، فلدينا ما هو أعمق من ذلك—لدينا أرض، تاريخ، هوية، وإرادة. فما الذي ينقصنا لنكون جزءًا من الخارطة العالمية كما نستحق؟

مشكلتنا لم تكن يومًا في نقص الشجاعة أو غياب النضال، بل في التوزيع الجائر الذي فُرض علينا، وفي المصالح الدولية التي مزقت وحدتنا لعقود. اليوم، نقف أمام واقع جديد، حيث أثبت إقليم كوردستان أنه قادر على بناء نموذج ناجح في الحكم والإدارة، رغم كل التحديات. لقد تجاوزنا مراحل طويلة من الصراعات، ونحن الآن مستعدون لخوض مرحلة جديدة، قائمة على الحوار والسلام، دون التفريط في حقوقنا المشروعة.

ما نطالب به اليوم ليس أكثر من الاعتراف بواقعنا واحترام إرادتنا، كما نحترم نحن وجود الآخرين. نحن نعيش جنبًا إلى جنب مع شعوب وقوميات أخرى، وندعو إلى العيش المشترك القائم على العدالة والمساواة. لا نطالب بأكثر مما تستحقه أي أمة تريد أن تعيش بكرامة. لقد أثبتنا أننا عنصر استقرار في المنطقة، وأننا قادرون على الدفاع عن الإنسانية، كما فعلنا في مواجهة تنظيم داعش، حيث كان الكُرد في الخطوط الأمامية، يدافعون عن العالم بأسره، وليس عن أنفسهم فقط.

القضية في جوهرها بسيطة: نريد ما يريده كل إنسان حر، ونطمح إلى ما تتمتع به بقية الشعوب من حقوق وكرامة. لسنا أقل شأنًا من غيرنا، ولسنا شعبًا بلا تاريخ. لدينا كل المقومات التي تجعلنا أمة تستحق الاعتراف والاستقلال، وما علينا سوى الاستمرار في العمل والنضال، مستفيدين من الأدوات المتاحة في هذا العصر، لإيصال صوتنا إلى العالم بأسره.

والسلام على من قرأ المقال، وفهم المقصود، وأيقن أن الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع بالإرادة والعمل الجاد.