د. إبراهيم أحمد سمو
كاتب كوردي
سوريا بين التغيير الصعب والواقع المعقد
لا تزال الأوضاع في سوريا محط جدل ونقاش، ورغم ما كُتب وما قيل في أوساط المثقفين والسياسيين والإعلاميين، فإن حقيقة المشهد السوري تُظهر أن التغيير لا يتحقق بمجرد رحيل رأس السلطة، فالأزمة أعمق من أن تُختزل في نقطة أو نقطتين.
لقد كان البعض يعتقد أن سقوط النظام سيؤدي تلقائيًا إلى نهاية كل المشاكل، لكن الواقع أثبت أن الأمور أكثر تعقيدًا. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تغيير الأشخاص، بل في قدرة النظام الجديد على تبني فكر مختلف يتجاوز أُطر الماضي، رغم أن هذا أمر صعب، نظرًا لطبيعة الإنسان التي يصعب تغييرها حتى في ظل القبول الظاهري بالمفاهيم الحديثة كالتمدن والتحرر.
لقد كان واضحًا أن هناك محاولات لدفع بعض المكونات—وخاصة الكورد، الدروز، والعلويين—إلى إعادة تموضعهم في المشهد السياسي الجديد، ولكن التردد والريبة يحيطان بهذه العملية. إذ إن هناك تيارات ترفض أي تغيير جوهري، وترى في نفسها المدافع الأمين عن سوريا، لكنها في الوقت ذاته تعيد إنتاج سياسات لا تعترف بدور المرأة أو بمبادئ التحرر، بما يتوافق مع مصالح قوى إقليمية ودولية كأمريكا وإسرائيل، اللتين ما زالتا تلعبان أدوارًا متشابكة في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بالجولان.
ما حدث البارحة يُثبت صحة هذا الطرح، إذ إن العنف عاد ليطفو على السطح، والمدنيون الذين لا علاقة لهم بالصراع وجدوا أنفسهم مرة أخرى ضحايا لحرب لم تتوقف فعليًا. وككاتب كوردي أتابع المشهد بانحياز واضح لما لنا وما علينا، أرى أن مسؤوليتنا تتجاوز مجرد تسجيل المواقف، بل تتطلب التفكير العميق في الخيارات المطروحة.
إذا كان البعض يرى أن ما علينا ككورد هو التمسك بالسلم، فالسؤال المطروح: ما الذي لنا في المقابل؟ وما الاتفاقات التي تضمن ألا يعود المشهد الدموي إلى سابق عهده؟ فالمواجهات الأخيرة أثبتت أن احتمالية استمرار القتال قائمة، وهو ما حذّرت منه قبل شهر، إذ إن الحكومة الحالية جاءت إلى السلطة دون أن تضع حسابًا دقيقًا للتحديات التي ستواجهها، وكانت سرعة استلامها للحكم مفاجئة حتى لأنصارها.
إننا كمتابعين للأوضاع لا نتوقع خيرًا للبلاد إذا استمرت الأوضاع على هذا المنوال. فاليوم، تعقد سوريا مؤتمرها الأول بشأن الدستور، لكن دون إشراك الكورد والفصائل الأخرى التي حملت السلاح اعتراضًا على السياسات القائمة. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن الحلول المطروحة لا تزال قاصرة عن تحقيق المصالحة الحقيقية، خاصة في ظل غياب العفو العام وضمان حقوق جميع المكونات.
إن الحديث عن دولة جديدة دون منهج جديد ودون دستور يضمن حقوق الجميع هو مجرد وهم، فنجاح أي مشروع سياسي في سوريا مرتبط بقدرته على استيعاب التنوع، والاعتراف بحقوق كل المكونات. ومن دون ذلك، سيظل التغيير مجرد تبديل للوجوه، دون تغيير حقيقي في بنية السلطة وسياساتها.