د. إبراهيم أحمد سمو
كاتب كوردي
العالم في قبضة الفوضى: واشنطن تعيد رسم الخرائط... فهل ينجو الكورد؟
منذ سنوات، يشهد العالم تحوّلات عميقة تُدار من مركز القرار الأمريكي. لم تعد الولايات المتحدة تمارس هيمنتها بصمت، بل باتت تجاهر بتغيير قواعد اللعبة العالمية بما يخدم مصالحها الاقتصادية والسياسية. قرارات مفاجئة تُتخذ من دون تنسيق أو شراكة، وتنعكس فورًا على أسعار الذهب والنفط، وعلى استقرار العملات، وموازنات الدول التي باتت تعيش حالة قلق دائم، تراجع حساباتها، وتبحث عن سُبل النجاة.
في المشهد العالمي الراهن، لم يعد هناك شيء ثابت. الذهب يرتفع ويهبط في يوم واحد، الدولار يهتز، وسعر برميل النفط شهد مؤخرًا تراجعًا هو الأشد منذ أربع سنوات. دولٌ كبرى وصغرى وجدت نفسها تعيد ترتيب أولوياتها، وتسعى لحلول لأزماتها المالية، بينما تتحرك أمريكا بمنطق "الصفقة" لا "التحالف"، وتُغيّر وجه العالم بخطاب، أو تغريدة، أو مؤتمر صحفي مرتجل.
منذ إدارة ترامب وحتى اليوم، بدا واضحًا أن الولايات المتحدة انتقلت من دور "الراعي الدولي" إلى "التاجر الدولي". لا صديق دائم، ولا عدو دائم؛ فقط من يدفع أكثر، أو من يقدّم موقعًا استراتيجيًا، أو ثروة نفطية، أو قاعدة عسكرية. فصارت العلاقات تُبنى على المصالح المباشرة، والحدود لم تعد خطوطًا حمراء، بل قابلة للتفاوض... وربما للإلغاء إن اقتضت الحاجة.
المؤسسات الدولية، التي كانت تشكّل توازنًا نسبيًا في العالم، أصبحت أضعف من أن تُقاوم هذا المدّ الأمريكي. إسرائيل، بدفع مباشر من واشنطن، تقدّمت خطوات نحو الهيمنة، بينما تراجعت قوى المقاومة التي طالما شكّلت محورًا في المعادلة الإقليمية: حماس أُضعفت، حزب الله في حالة جمود، سوريا تحوّلت إلى ساحة صراعات، وإيران تخلّت بشكل مفاجئ عن خطابها المتصلّب، وقبلت بتنازلات في ملفها النووي لم تكن لتقبلها قبل أعوام.
في ظل هذا المشهد، يشعر العالم – من شرق آسيا إلى الشرق الأوسط – بقلق متصاعد: حدود مهددة، سيادة مُستباحة، ومستقبل بات رهينة لمزاج القوة العظمى التي قد تصدر قرارات تُربك النظام العالمي مع مطلع كل صباح.
روسيا تراقب بصمت، متحفّظة في مواقفها. الصين تقترب من صدام مباشر مع الولايات المتحدة، فيما تبرز فرنسا كصوت أوروبي مختلف، تُلمّح إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية في أيلول المقبل، في خطوة قد تُحدث تحوّلًا لافتًا في المشهد الدبلوماسي.
وسط هذه الفوضى، يقف الكُرد أمام سؤال مصيري: كيف يمكن الخروج بسلام من هذا الإعصار؟ ما السبيل لحماية المكتسبات السياسية والإدارية، وضمان البقاء ضمن دائرة القرار لا خارجها؟
الكورد ليسوا خارج هذا المشهد، بل في قلبه. والتاريخ يعلّمنا أن من لا يمتلك أوراق قوة حقيقية، لا يحظى بمكان على طاولة القرار. هشاشة الاستقرار، وتقلب التحالفات، والضغوط الاقتصادية، كلها تجعل اللحظة الراهنة اختبارًا صعبًا ومرحلة تتطلب وعيًا سياسيًا عميقًا.
المطلوب ليس الدخول في مغامرات، بل التحرك بذكاء، وقراءة دقيقة لموازين القوى، وتشكيل تحالفات من موقع الندية لا التبعية، وإثبات أن الكورد ليسوا عبئًا على أحد، بل شريكٌ ممكنٌ في الحلول الإقليمية والدولية.
العالم تغيّر. لم يعد هناك متسع للمثالية أو الحنين إلى الماضي. نحن في زمن من يملك أوراق اللعبة، ويُدير مصالحه بعقلانية وشجاعة، هو من ينجو. والكورد اليوم أمام فرصة حقيقية: إما أن يثبتوا جدارتهم كشعب صاحب مشروع، أو أن يُهملوا الواقع، فيكونوا أول ضحاياه.
العالم في قبضة الفوضى... فهل يُحسن الكورد الخروج منها بسلام؟