في زمن السوق والتهديد… نحن الكورد نراقب بعين الصقر مصير المنطقة

في زمن السوق والتهديد… نحن الكورد نراقب بعين الصقر مصير المنطقة
في زمن السوق والتهديد… نحن الكورد نراقب بعين الصقر مصير المنطقة

في هذا الشرق المتوسط الذي لم يعد يشبه ما عرفناه، حيث انقلبت الموازين وتبدّلت القواعد دون سابق إنذار، يجد الكورد أنفسهم مرة أخرى في مواجهة واقع لا يرحم، واقع يُرسم من دونهم، ومن دون حتى إيماءة من الولايات المتحدة. فالمعادلة الجديدة تُكتب بحبر القنابل لا الحبر الدبلوماسي، ولا مكان فيها لمشاورات، أو حتى مجاملات.

تحت أنظار الجميع، وعلى مرأى ومسمع من العالم، يتشكّل مشهد درامي صارم: لا مساعدات، لا اتفاقات علنية، لا حماية. فقط صمت يملأ المكان، والفأس معلّق فوق الرأس. وفي واشنطن، يُعلن دونالد ترامب بمنتهى الصراحة: لا خيارات كثيرة. إمّا الخضوع التام وقبول أن تمطر السماء قنابل، وتُمحى المدن من على الخريطة، أو الرضوخ لما نريده، رغبة أو كُرها، إذلالاً أو عناداً، لا فرق. في زمن ترامب، لا مكان للكرامة. الكرامات توضع في ذيل الصف، وربما شُطبت نهائيًا من قاموس العلاقات الدولية.

العالم اليوم أشبه بسوق. دكّان، “نقول دكّان وعقار، ( لا لأن المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل قالت ذلك) ؛ بل لأننا نرى الأمر كذلك بالفعل ، بازار، وكل شيء للبيع. من يدفع أكثر يأخذ أكثر، ومن يقدّم بلده على طبق من طاعة، يُمنح فرصة البقاء على كرسي هزّاز تملؤه القلق. هكذا هو ميزان العالم الجديد. من خرج منه بذكاء، واضعًا مصالحه فوق عواطفه، نجا مؤقتًا. ومن راهن على الشعارات، وجد نفسه هدفًا للصواريخ أو العزلة.

أما الكورد، فهم في حالة توازن دقيق، وحذر لا ينتهي. يقظة تامة تحكم الموقف. في إقليم كوردستان - العراق ، رغم النار القريبة، يسود هدوء نسبي لا يخلو من الترقب. الشركات الأمريكية لا تزال حاضرة، تحمي مصالحها، وتشكّل في الوقت ذاته نقطة توتر. إذ قد يراها “المستهدف الأخير” في المنطقة سببًا كافيًا للرد بعنف، في لحظة يأس أو انتقام.

لكن حتى الرد العنيف، في هذا الزمن المسرّع، قد لا يجد الوقت الكافي للانطلاق. من شدّة الضغوط، قد لا يفلح “الخصم” في وضع إصبعه على زر الصواريخ. فإما أن يقبل الأمر الواقع غدًا ( إما مفاوضات مباشرة والتوقيع على ما تريده الولايات المتحدة، فتعود إيران إلى خيمة صفوان جديدة، أو ينهار كل شيء بالكامل، وفق مستجدات تصريحات السيد ترامب و  أن يُكتب على نفسه الفناء. والمفاوضات المباشرة التي تسعى إليها واشنطن لم تعد تفاوضًا بالمعنى الكلاسيكي، بل فرض شروط وفق الرغبة الأمريكية، لا أكثر.

هكذا تجد إيران نفسها مجددًا في موقع الدفاع، لا الهجوم. الحذر يطغى على الخطاب. لم تعد تصدّر الثورة، بل تحاول الحفاظ عليها داخل حدودها. وحسب ما تقوله المؤشرات الإعلامية، فإن الأولوية الآن لترتيب البيت الداخلي، وضبط الصفوف، وإنعاش الاقتصاد. لم تعد المسألة تصدير نموذج، بل منع انهيار النموذج نفسه.

وفي هذا السياق، يأتي التصريح الأخير الذي يكاد يكون تلخيصًا لسياسة المرحلة: إمّا أن تسير كما نريد، وإما أن تُمحى. لا حلول وسط. رأس الحربة في هذا كله هي إسرائيل، التي تتحرّك بثقة، تُحدّد الأهداف وتضغط الزناد. وما أن تبدأ الضربات، حتى لا يفيد أي ندم، ولا يعود هناك مجال للخطابات أو التوسّلات.

هكذا يُكتب المشهد، ونحن الكورد، نقرأ بين السطور. نراقب اللعبة بعين الصقر، ونفكّر: هل نحن في المسار الصحيح؟ هل نستطيع الحفاظ على هذا التوازن دون أن نُستَغلّ؟ وهل نملك القدرة على تحويل الحذر إلى استراتيجية بقاء، لا فقط تكتيك لحظي؟

إن الإجابة على هذه الأسئلة ليست سهلة، لكنها ضرورية. فما يجري اليوم ليس مجرد تحوّل عابر، بل انقلاب جذري في قواعد الشرق الأوسط. والأخطر أنه يتم في غياب أي ضجيج. كل شيء يجري بصمت، وبلغة واحدة: “إما معنا، أو لا وجود لك”.
والمطلوب الآن ليس الحقد، بل الوعي، ليس الانتقام، بل البصيرة. فالبقاء لمن يفهم المشهد، لا لمن يُجيد رفع الشعارات.
و في خضم كل هذا التحوّل، لا تزال أعين الكورد تراقب بعين الصقر، تتابع حركة اللاعبين الكبار، وتفكّك خيوط المشهد الملتبس. ورغم الحذر والتوازن، ورغم القدرة على قراءة القادم، فإن السؤال يبقى معلّقًا: هل نحن فاعلون أم مُنتظرون؟ وفي النهاية، يبدو أن الكورد في كل هذا لا يزالون في انتظار نتيجة امتحانٍ امتدّ لقرنٍ ونيف، امتحانٍ لم تُعلَن نتائجه بعد، لكنه يزداد تعقيدًا كلما ظنّ البعض أن الإجابة باتت قريبة